هذه عبارة أصبحت نكتة ثقيلة يتداولها بعض الناس لقصد أو لغير قصد ، وبعضهم يستخدم عبارة : (( فيه قولان )) حتى أنها تجري الآن مجرى المثل .
ولست ممن يحبون تجاهل الواقع ، ويدسون رؤوسهم في الرمال ، فالخلاف موجود ولا شك . وإذا كان المثل يقول : فيه قولان ، فنحن نزيده من الشعر بيتا أو بيتين .
في تفسير صلى الله عليه وسلم " الصوم لي وأنا أجزي به " وهو حديث قدسي عن الله تبارك وتعالى ذكر الإمام الشوكاني في فتاويه المسماة بـ (( الفتح الرباني )) خمسة وخمسين قولا ، ثم أضاف إليها هو : القول السادس والخمسين !!
وفي تحديد ليلة القدر أي ليلة هي ؟ يذكر حافظ ابن حجر في (( الفتح )) أنهم اختلفوا فيها اختلافا كثيرا … وأنه تحصل له من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولا !!
وقد وقع للحافظ نفسه في تحديد ساعة الإجابة يوم الجمعة نظير ذلك .
وفي تحديد الصلاة الوسطى ما هي ! أهي الظهر أم العصر أم المغرب أم العشاء أم الفجر ؟ أم غيرها ؟ اختلفوا على سبعة عشر قولا !
ومع هذا فإن هناك من يحاول تهويل الخلاف ، ورسم صورة غير صحيحة عنه . فإذا كان هناك أمثلة للاختلاف ، والاختلاف الواسع ، فهناك أمثلة أخرى أكثر وأوسع للاجماع المطلق وكما اختلف أهل العلم في مسائل فقد اتفقوا في اخرى من جميع أنواع العلوم الشرعية . ولو تتبعت مصنفات بعض أهل العلم كابن المنذر وابن عبدالبر والنووي وابن تيمية وغيرهم لوقفت على اجماعات كثيرة جدا ، بل إن ابن المنذر صنف كتابا خاصا في (( الإجماع )) وكذلك فعل ابن حزم وابن تيمية .
صحيح أن في بعض هذه الإجماعات تساهلا ، بمعنى أنه لا يصح فيها الإجماع ، بل الخلاف فيها قائم ثابت ، وأحيانا يكون مشهورا ، لكن يسلم من ذلك شيء كثير .
وقد جاء عن الإمام أبي إسحاق الإسفراييني أنه قال : نحن نعلم أن مسائل الإجماع أكثر من عشرين ألف مسألة .
وهذا العدد والله أعلم ليس غريبا ، لا أعتقد أن مسائل الإجماع تصل إليه فعلا لكن من المأكد أن المسائل المجمع عليها كثيرة جدا .
لكن من شأن الناس العناية بمسائل الخلاف أكثر من مسائل الإجماع . أرأيت هذه الأرتال من السيارات بعضها تلو بعض لا يلتفت إليها أحد ، فإذا حدث تصادم تجمهر الناس واحتشدوا !! ولذلك كان من الأساليب التعليمية المفيدة البدء بالمتفق عليه ثم الانتقال للمختلف فيه إذا تيسر ذلك .
فإذا أردت البحث في الماء ونجاسته ، تبدأ بتقرير أن ما تغير بالنجاسة لونه أو طعمه أو ريحه ، أي : بنجاسة تحدث فيه فهو نجس باتفاق العلماء .
ثم تقرير أن المياه الكثيرة الغزيرة لا تؤثر فيها النجاسة إذا لم تغيرها .
ثم تنتقل إلى ذكر المسألة المختلف فيها وهي مسألة الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره .. وهكذا ..
ثم إن من الخلاف خلاف لا يعتد به ، ولا يلتفت إليه ، لشذوذه ومخالفته النص والإجماع السابق ، وفي الأقوال المروية من ذلك شيء كثير
وليس كل خلاف جاء معتبرا **** إلا خلاف له حظ من النظر
ولعل من أبلغ الشذوذات التي وقفت عليها ما ذكره بعض المصنفين كالقسطلاني وغيره أن أبا الخطاب ابن دحية أفتى للملك الكامل حين سأله عن حكم صلاة المغرب في السفر فأفتاه بجواز قصرها إلى ركعتين
وروى له في ذلك حديثا موضوعا ، بل قيل أن ابن دحية هو واضع هذا الحديث ومختلقه وقد رمي مع غزارة علمه وكثرة حفظه بالمجازفة في النقل وذكر أشياء لا حقيقة لها !
وهذا القول مما يعلم بطلانه بالضرورة قطعيا التي لا يغتاب فيها مسلم ، إذ مقادير الصلوات مما توفر فيه الإجماع القولي والفعلي المطلق من عهد نبوة إلى يوم الناس هذا .
وأذكر حين زرنا (( أندونيسيا )) في رحلة دعوية أن البعض هناك والناقمين على الشيخ الفاضل (( إحسان الهي ظهير )) رحمه الله ، يزعمون أنهم صلوا خلفه في مسجد في (( سوربايا )) صلاة المغرب فقصرها إلى ركعتين وقال : أنا مسافر !
وهذا من الكذب الغليظ الذي بلغ في نكارته حدا يمنع من رواجه حتى لدى أعداء الشيخ ومناوئيه ، فنحمد الله أنهم لا يحسنون الكذب .
وهناك أقوال شاذة لكنها لا تصل – على كل حال – إلى هذه الدرجة الموغلة المخالفة للقطعي … وحكم مخالفة القطعي معروف …
وهناك أقوال قديمة سادة ثم بادت ، وجد من يقول بها في عصر من العصور ، ثم ظهر من الأدلة الصحيحة وضرورات الواقع الشرعي ما يقضي بزوالها فزالت وانداست مثل ما نقل عن عثمان البتي أنه يقول بجواز الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها .
ولقد حدث خلاف في العصر الأول على كتابة الحديث وتمسك قوم بمنع الكتابة محتجين بحديث " لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه " ونحوه .
وذهب آخرون إلى الكتابة لنصوص وأدلة معروفة .. ثم اتفق المسلمون على مشروعية كتابة الحديث والعلم وأندرس القول بمنع ذلك .
ومثل ذلك أشياء كثيرة وهل الناس منها أول الأمر واستغربوها وتمسكوا في بعض الظواهر في إنكارها ثم استبان لهم الأمر ، واستقر القول الفصل بلا نكير .
ومع الخلاف ، فالحلاف شأن العلماء ولا دخل للعامة والمتطفلين به ، والعلماء يديرون الأمور بينهم على ما تقتضيه المصلحة ويتشاورون ويتراجعون ويتفقون أحيانا ويختلفون أحيانا ، فاتفاقهم حجة ، واختلافهم رحمة ، اللهم إلا اختلافا يكون باعثه الهوى والغرض فهذا ولا شك شر وعذاب .
وينبغي للعامة أن ينصرفوا إلى معرفة كيفية العبادة من صلاة وصيام وزكاة وحج ونحوها ، وما هو حكم الله ورسوله في أمورهم التي يتعاطون ويديرونها بينهم ، وكيف يتوصلون إليه ويدعون ما سوى ذلك لأهله .
وقديما قيل يخرب الأبدان نصف طبيب ، ويخرب الأديان نصف عالم .
الشيخ سلمان العودة (مجلة الاصلاح)
|