إن تكن عربيدا ، لا مبدأ لك ولا خلاق ، ولا وازع من دين ينظم حياتك وتصرفاتك ، فهذا شأنك ، أيضا إن لم يكن لديك الحد الأدنى من الغيرة على زوجتك أو أختك أو أمك وكل قريباتك فهذا شأنك أيضا ، بيدك أن تكون ماجنا لا هم لك سوى إشباع الرغبات الجنسية ، والتلذذ بالمحرمات ، وأستغلال كل فرص اللهو المتاحة في هذا العصر . تشد الرحال للسهرات الماجنة في خمارات وملاهي باريس ، فتحتسي ما طاب لك من المشروبات ، وتمتمائل راقصا ، محترفا أنواع الرقص بشقيه العربي والأفرنجي ، وعلى الطرف الآخر أو الملهى المقابل توجد عائلتك الكريمة ، لتقوم بنفس الأدوار وما خفي كان أعظم . كل هذا أمامك ولن يستطيع أي شخص في هذا الوجود الحد من غرورك مهما بلغ من العلم أو أوتي من الجهد والصبر والعزيمة . صدقني لن يقف أمامك عائق أبدا ، حتى وإن أصدروا الفتاوي المحرمة والمزعجة ، كل هذا لن يثنيك إن كنت مصرا على ممارسة العصيان . سينصحك الناصحون بالمجان دون أن يقبضوا منك فلسا واحد ، ولكن أطمئن فإنهم لن يرغموك على التنازل عن هذه القناعات ، فالخيار الأول والأخير سيبقى بيدك ، وأما هؤلاء المطاوعة فسيكتفون بأداء واجب النصيحة وطلب الأجر من الله وليس منك .
إذن نتفق على أن أختيار الطريق بيدك وحدك ، فإما شاكرا وإما كفورا . ولكن الذي لا تملكه وليس من حقك هو أن تطوع المجتمع بكامله لقبول هذا الطريق الذي أخترته لنفسك وترغب في فرضه على المجتمع بإعتباره هو الطريق الصحيح المتنور . ليس من حقك أن تكيف المجتمع مع هذه الحياة التي ترضيك أنت وحدك ، معتقدا إنها هي الحياة العصرية المتنورة الصحيحة ، المتبعة في الدول المتقدمة وصاحبة حق الفيتو في مجلس الأمن .... ليس من حقك إستباحة حقوق مجتمع مسلم قام على عادات مستمدة من تعاليم شريعة أرتضوها منهجا ونبراسا ، فلن يقبلوا بغير ما وجدوه في هذه الشريعة ، والذي جاء في الأساس موافقا لفطرة البشر التي فطرهم الله عليها .
الأدهى من هذا كله أن تحاول تطويع القوانين الربانية أوإستبدالها بأخرى من صنعك أو صنع معلميك ، لتوافق منهجك الذي تريده لنفسك وللآخرين ، وهذا العن وأضل سبيلا .... أن يصل بك الأمر إلى تحريف كلام الله والقفز على النصوص الشرعية من أجل الأستفخاف بالبشر فهذا أمر لن يقره مسلم فيه ذرة من أيمان ، بل ستجد المسلمين حقا لك بالمرصاد . سيحاربونك بكل ما يستطيعون من قوة وجهد ، فالمسألة لم تعد حرية رأي أو حرية سلوك ، بل إنها تعدت إلى تعطيل شرع الله وسننه التي جاء بها نبيه لضبط حياة الناس وسلوكهم . إن المسألة في الواقع تضليل على الناس وبحث في الشبهات التي تجد فيها الثقرات التي تدخل من خلالها إلى قلوب الناس .
يصل بك الطغيان إلى رفض أقوال علماء الإسلام الذين أفنوا أعمارهم في طلب العلم وتحصيله من مرجعه الصحيح المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة صحابته ومن تبعهم من العلماء . بل إن الأمر تعدى إلى منع المسلمين من مجرد الأعتراض على رعونتك ، فهذا شيخ ماضوي يستمد علمه من الماضي ولن تقبله ، وشيخ آخر متأسلم يستغل الدين لأغراض سياسية ، وهذا مطوع متشدد لايحق له الأعتراض بحكم إنه لا يرى إلا من زاوية واحدة ، بينما أنت ترى من كل الزوايا ( إلا الزاوية الصحيحة ) ، وهذا يسب ويشتم لا يحق له الأعتراض ، فهو متأسلم يستغل الدين للسب والشتم ، وهذا مخالف لتعاليم الدين لذا لا يحق له الأعتراض على الشرع الجديد ، ، وهذا لا يحق له الأعتراض فهو قليل علم ولم يبلغ السن المقرر للدفاع عن الدين ... كل شرائح المجتمع ممنوعة من الأعتراض عليك وعلى تشريعاتك الجديدة التي تقدمها للمسلمين ليواكبوا النظام العالمي الجديد . فأنت تحاصر الناس جميعهم في أضيق الزوايا كي تنفرد بالتشريعات ومعك رهط من فقهاء ما يطلبه المشاهدون .
لا بأس نتفق معك موقتا ، فالشيخ الذي يعيش في الماضي نوقفه ، والمطوع المتشدد نوقفه ، والسباب الشتام نوقفه ، وقليل الحيلة نوقفه ، ومادون السن المحدد نوقفه ، والمرأة المتحجرة نوقفها أيضا .. نوقف الطبيب الذي درس الشرايين والأوردة وكريات الدم الحمراء والزرقاء ولم يدرس أصول الدين ، نوقف المزارع الذي يمضي يومه في حقله دون أن يتخصص في الفقه والشريعة ، ونوقف مدرسي العلوم والجغرافيا والأدب والرياضة ونحوها ، نوقف المهندسين بجميع أفرع تخصصاتهم ، ونوقف سائق التاكسي وسائق الباص وأي سائق آخر .. نوقف كل هؤلاء عن الدفاع عن الدين ، أو حتى مجرد رفع الصوت للإحتجاج ، ونحاصرهم ونحرم عليهم الإعتراض على الشرع الجيد . ثم نفسح المجال لك ولمن أرتضيت من الفقهاء ، ولكن نسأل : من أعطاك أنت الأحقية بالتشريع وتغيير مفاهيم الناس الراسخة ؟ أنت تحلق لحيتك ، وتسبل ثوبك ، وتسمع أنواع العزف الموسيقي ، وتمارس أنواع المعاصي ، ولم تتخصص في الفقه من أصل ، فمن أعطى لك الحرية في تعليم الناس الدين وتقديم الشرع الجديد لهم ؟
الواقع يا أيها الذين آمنوا إننا نمر بمرحلة خطيرة للغاية ، تموج بالضلال وأنواع البدع والتشريعات ، ولا أقول أنتشار المعاصي ، فهذا يهون أمام تحليل ما حرم الله ، وهناك فرق ـ على سبيل المثال ـ بين من يسمع الغناء ومن يحلل الغناء ، فالأمر لم يعد إرتكاب معاصي فحسب ، بل تعدى ذلك إلى التحليل والإباحة ... لقد أصبحنا جميعا مشرعين ومفندين ، تحت قاعدة ( كل يأخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر ) ، هذه المقولة تعني أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الوحيد المعصوم من الخطأ ، فهو لا ينطق عن الهوى كما نزهه القرآن الكريم ، فقوله لا يقبل التأويل والتشكيك والمراجعة ، وهذا هو مفهوم العبارة . إلا إننا نستغلها في التخبط والتشكيك في أقوال الفقهاء والعلماء المتمكنين من التشريعات الدينية على وجهها الصحيح كما ورد في القرآن والسنة النبوية ، والحقيقة إن هذه المقولة أستخدمت في غير محلها ، وما إثارتها في هذا الوقت بالذات إلا من المزاعم العلمانية والرافضية ، التي تهدف إلى التشكيك في أقوال الصحابة وعلماء الإسلام من بعدهم ، ومن ثم التغرير بالناس ، ليستطيعوا بالتالي فرض شرعهم الجديد الذي يوافق هواهم .
للكاتب الكبير "تحت الشمس"
|