مقال كتبه دبيان الدبيان .. في منتدى الوسطية
بسم الله الرحمن الرحيم
النكاح بنية الطلاق
مع قدوم الإجازة يستعد كثير من الناس إلى السفر خارج المملكة حرسها الله، وبعضهم وهم قلة - إن شاء الله تعالى - يسافرون من أجل مقارفة الخبائث، وبعضهم قد يتزوج بنية الطلاق، وبعضهم يسافر للنزهة، ومن أجل نصيحة هؤلاء وهؤلاء أقدم هذا البحث، والذي من خلاله أدعو الإخوة الذين هان عليهم أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وظلموا أنفسهم بارتكاب الموبقات أن يستغنوا عن الحرام بما أباحه الله لهم من الزواج بنية الطلاق، كما أدعو الإخوة الذين يتزوجون بنية الطلاق أن يحرصوا كل الحرص على عدم الوقوع بالمخالفات الشرعية، وعدم استغلال هذا المباح للوقوع في الحرام، وذلك باختيار زوجات من صالحات بلادها، وأن لا يكون همه التنقل بين النساء، وأن يحرص أن لا يتزوج امرأة إلا وقد توفرت فيها شروط النكاح الصحيح، وأن يتعاهد المرأة وهي في عدتها، وأن يقوم بما يجب عليه إذا زرق منها بولد، الخ ما يجب عليه في ذلك، وقد يقول قائل: ما دام أن بعض هذه المخالفات موجودة فسد للذريعة لماذا يعلن هذا البحث، فأقول: إننا لا يمكن لوجود فئة لا تتقي الله في هذا المباح أن نحرم ما نعتقد أنه حلال ، ونعطي حكما بالتحريم المطلق من أجل هذه الفئة الباغية، ونمنع عنه فئة أخرى يكون لديها الحرص على مراقبة الله والقيام بأحكامه، فهذه الفئة أولى بالمراعاة من تلك الفئة، فالنظر إلى فئة واحدة نظر أعور، وانظر إلى تعدد الزوجات وما يقع من بعض الناس، من استغلال التعدد لظلم المرأة وعدم القيام بالعدل الواجب عليه، ومع ذلك فهذا الأمر لا يدفع الإنسان إلى القول بتحريم التعدد تحريماً مطلقاً لوجود هذه الفئة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا قلنا بإباحة الزواج ربطنا هذا القول بالتذكير بأن يكون خالياً من هذه المفاسد، فإذا خالف الإنسان بعد ذلك يكون قد خالف الأمر الشرعي على بصيرة، وهذا لا حيلة فيه.
وبعد هذه المقدمة أدخل في تحرير خلاف العلماء في هذا النكاح فأقول.
اختلف العلماء في النكاح بنية الطلاق:
فذهب الحنفية( ) والمالكية( )، والشافعية وقول في مذهب الحنابلة اختاره ابن قدامة في المغني وابن تيمية إلى جواز النكاح بنية الطلاق.
واختاره من المعاصرين ابن باز والألباني عليهم رحمة الله جميعاً.
وقيل: لا يجوز، وهو المنصوص عن أحمد رحمه الله( )، وعليه المتأخرون من أصحابه( ).
والصحيح جواز عقد النكاح بنية الطلاف لأدلة منها:
الدليل الأول:
أن هذه المصطلحات الداخلة على الزواج ( كقولهم زواج المسيار، أو قولهم الزواج العرفي وكذلك قولهم الزواج بنية الطلاق ) كل هذه المصطلحات أربكت العامة بل وبعض طلبة العلماء حتى اعتقدوا أن هذا زواج آخر غير الزواج المعهود بين المسلمين لاعتقادهم أن هذا يخالف الزواج المعهود، فمن ادعى أن هذا الزواج يخالف الزواج المعروف، أو أن هذا زواج قد فقد شرطاً من شروط صحة النكاح فعليه الدليل من الكتاب أو من السنة، أو من إجماع المسلمين، أو من قول صحابي لا مخالف له، وهذا ما لم يتوفر هنا.
الدليل الثاني:
ليس من شروط النكاح التأبيد فيه مدى الحياة، وإنما هذا زواج النصارى الذين يحرمون الطلاق. قال ابن قدامة في المغني: ليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته.
الدليل الثالث:
إذا كان الطلاق مباحاً بعد الزواج، فإضمار المباح قبل العقد لا يحول العقد الصحيح إلى عقد محرم.
الدليل الرابع:
إذا كان الطلاق حقاً للرجل لا تشاركه فيه المرأة، فإضماره قبل العقد لا يعتبر فيه تعدياً على المرأة، ولا ظلماً لها.
الدليل الخامس:
أن القول بالجواز هو قول عامة العلماء، حتى حكي فيه الإجماع، فهذا ابن قدامة يقول: لم يخالف فيه إلا الأوزاعي، وهذا ابن القاسم من المالكية يحكي الإجماع على جوازه، والصحيح أن الخلاف فيه محفوظ، ولكن كما قدمنا أن عامة الأمة على القول بجوازه، وكوننا نقدم هذا النكاح الذي يراه السواد الأعظم من الأمة إلى أعداد كبيرة تسافر سنوياً وتقارف الزنا مع البغايا، وهو من الموبقات، فكونه يتزوج زواجاً لم يخالف في جوازه إلا نفر يسير خير ألف مرة من أن نغلق باباً فيه تيسير على الناس، وبديل لما حرم الله.
الدليل السادس:
أن من حرمه استند إلى أدلة لا ترقى للتحريم، فهو إما أن يراه غشاً وظلماً للمرأة، وإما أن يراه نكاحاً شبيهاً بنكاح المتعة، أو يرى أن هناك فئة تسيء استعمال هذا المباح، فيكون تحريمه من باب سد الذرائع، أو أن السفر من أجل الزواج عنده يحرمه، أو يرى أن الغرض من الزواج الأولاد وتكوين أسرة مسلمة، وهذا لا يتوفر هنا، وكل هذه الأدلة إما لا تصح، وإما غير كافية في التحريم.
أم القول بأنه نكاح متعة، فلا يصح هذا البتة، فهناك فرق بين نكاح المتعة، وبين النكاح بنية الطلاق، فنكاح المتعة: من شرطه أن يكون العقد مؤجلاً، فينتهي العقد قسراً، كالمستأجر للبيت، ينتهي منه حال انتهاء مدة العقد شاء أم أبى، ولذلك حكي الإجماع على أنه ليس نكاح متعة:
قال الدسوقي في حاشيته (2/239) إن لم يصرح للمرأة ولا لوليها بذلك ولم تفهم المرأة ما قصده في نفسه فليس نكاح متعة اتفاقاً. اهـ
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، وهو ممن يرى تحريمه:
وكونه يشكل على بعضهم أن المرأة أو وليها قد يفهم من حال الرجل أن الرجل سيطلق، فهذا لا يؤثر في العقد، لأن هذا الأمر إذا لم يشترط لم يلزم الرجل الطلاق، وكم من رجل تزوج بالمرأة يريد فراقها فتعجبه عشرته وأخلاقها فيمسكها، ويتعلق بها.
قال الدردير من المالكية في الشرح الكبير (2/239): وحقيقة نكاح المتعة الذي يفسخ أبدا أن يقع العقد مع ذكر الأجل للمرأة أو وليها , وأما إذا لم يقع ذلك في العقد، ولم يعلمها الزوج بذلك وإنما قصده في نفسه وفهمت المرأة أو وليها المفارقة بعد مدة فإنه لا يضر وهي فائدة تنفع المتغرب. اهـ
وقال في منح الجليل (3/304): وحقيقة نكاح المتعة الذي يفسخ مطلقا النكاح الذي ذكر الأجل عند عقده للولي أو للمرأة أو لهما معا . وأما إن لم يذكر ذلك ولم يشترط وقصده الزوج في نفسه وفهمت المرأة ووليها منه ذلك فإنه يجوز قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه , وهي فائدة جليلة تنفع المتغرب واقتصر عليه عج تبعا لجده وصدر الشارح في شروحه وشامله بفساده أيضاً، ثم حكى عن الإمام الصحة فإن لم تفهم المرأة ما أراد الزوج صح اتفاقاً.
وقال الشافعي في الأم : وإن قدم رجل بلدا وأحب أن ينكح امرأة ونيته ونيتها أن لا يمسكها إلا مقامه بالبلد أو يوما أو اثنين أو ثلاثة كانت على هذا نيته دون نيتها أو نيتها دون نيته أو نيتهما معا ونية الولي غير أنهما إذا عقدا النكاح مطلقا لا شرط فيه فالنكاح ثابت ولا تفسد النية من النكاح شيئا لأن النية حديث نفس وقد وضع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم وقد ينوي الشيء ولا يفعله وينويه ويفعله فيكون الفعل حادثا غير النية. اهـ
وقال الباجي في المنتقى (3/335): قال مالك قد يتزوج الرجل المرأة على غير إمساك فيسره أمرها فيمسكها وقد يتزوجها يريد إمساكها ثم يرى منها ضد الموافقة فيفارقها. قال الباجي: يريد أن هذا لا ينافي النكاح فإن للرجل الإمساك أو المفارقة وإنما ينافي النكاح التوقيت.اهـ
وأما قول من يراه غشا ًوظلماً للمرأة فهذا بناه على تصوره للمرأة في هذا البلد، وأين من يتزوج بهذا البلد بنية الطلاق، وهو يكلفه مالاً كثيراً، ولذلك لو تزوج ملك أو أمير بنية الطلاق في بلد خليجي لم تعتبر المرأة ذلك غشاً أو ظلماً، لأن مثل هذا العقد قد يكون سبباً في سعادة المرأة، واستقرارها، وكم من امرأة في بلد مثل اندنوسيا تساهم المرأة في عقد الزوجية وكذلك الحال أيضاً في بعض البلاد العربية فيكون الزواج لها بنية الطلاق سبباً في تزاحم الخطاب، والرغبة فيها، لأن المرأة قد تنكح لمالها كما جاء في الحديث، والقصص في هذا كثيرة.
وأما القول بأن الزواج يقصد منه الولد، فهذا القصد ليس شرطاً في صحة النكاح، ولذلك لو تزوج بامرأة عقيم لم يحرم العقد، بل من مقاصد العقد الاستمتاع بالمرأة، فالمرأة من متاع الدنيا كما جاء في حديث ابن عمر: الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة. رواه مسلم.
وفي الحديث تنكح المرأة لأربع: فذكر منها جمالها. وحديث : هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك. والحديث في الصحيحين.
وأما قولهم: إن الرجل يسافر بغرض الزواج، وهذا القول من العجب، فسبحان الله هل السفر من أجل أمر مباح يعتبر دليلاً على التحريم، فإن كان الزواج محرماً فهو محرم سافر له أو عقده في بلده، وإن كان مباحاً فالسفر في طلب المباح ليس حراماً ، وقد جاء في الصحيحين: فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبه أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. رواه البخاري.
وأما كون بعض الناس قد يسيء استغلال الزواج، فيتزوج من النساء البغايا، ولا يتحمل الولد منها، وقد يتزوج امرأة معتدة لرجل آخر، إلى غير ذلك من التصرفات المحرمة، فيكون من باب سد الذرائع تحريم مثل هذا النكاح، فيقال: لا يجوز الزواج بالبغايا، ولا يجوز أن يتزوج بالمرأة ثم لا يتحمل ما يقذفه في رحمها من ولد، ولكن مثل هذه التصرفات لا تحمل الإنسان على تحريم العقد تحريماً مطلقاً، فكما أنك مطلوب منك أن تمنع مثل هذه التصرفات، مطلوب منك أن لا تضيق على من يكون لديه استعداد لتحري الحلال، وعدم ارتكابه المخالفات، فمراعاة هذا النوع من الناس مطلوب أيضاً، فالمفتي يجب أن يراعي هذا وهذا، لا أن ينظر بعين واحدة فقط إلى الفئة التي لا تراقب أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فانظر إلى تعدد الزوجات كما يسيء استغلاله كثير من الناس، ومع ذلك لا يجوز أن يعطى حكم في التحريم المطلق لتصرفات طائفة من الناس، وكم من رجل تزوج بامرأة أخرى وضيع أولاده من المرأة الأولى، فيقال: هذا الفعل حرام، والعقد مباح، وهكذا.
http://www.wasatyah.com/vb/showthread.php3?threadid=975