الحلقة الثامنة
يوميات شارلز داوتي في عنيزة –
- الحلقة الثامنة-
1- إستمرار كلام داوتي عن الأمراض الفتاكة " الجدري" وغيره:
يواصل داوتي الحكيم " خليل" :
حديثه السابق عن انتشارالجدري وخاصة بين أطفال عنيزة بشكل كبير، يقول: " إن عنيزة فقدت خمسمائة طفل ماتوا من الجدري أثناء وجوده في عنيزة " !!! وبعبارة داوتي نصاً: "
Aneyza lost thereby, in the time of my being there, chiefly I think by their inoculation! five hundred of her free born children, nevertheless, the infection did not pass the Wady to Boreyda, not to any of the Nefud villages ….."
رقم خيالي هذا الذي يذكره داوتي !!! وأثناء فترة وجوده ( تسعة أسابيع) فقط!!!
طبعاً لا أستطيع أن أتأكد من هذه المعلومة من مصدرآخرلأنه وللأسف - كما أشرت سابقاً في مكان آخر- لا أحد يهتم بالكلام عن هذه الأمور في مصادرنا المحلية آنذاك لاهتمام من يكتب منهم في التاريخ بالسياسة والحروب فقط أكثرمن غيرها لأسباب ذكرتها تفصيلاً في مكان آخر، وإذاً فمصدرنا الوحيد هو داوتي فقط. كل ما أقول إنه رقم خيالي أن يموت هذا العدد في حدود شهرين ونصف تقريباً من عام 1295هـ وخاصة بالنسبة لعدد سكان عنيزة في ذلك الوقت،
إنما لاشك أبداً بأن عدد الأموات فعلاً كبير وبشكل ملفت للنظر، كما يذكرهو في موضع آخربأن الجنائزكثيرة كل يوم يشيعها الناس في عنيزة.
والغريب أن داوتي يذكراحتمالاً آخرلموت هذا العدد الكبير من الأطفال:
" وهوطبيعة الدواء أو اللقاح المستخدم " ، كما ورد سابقاً في نصه: " بدليل أن بريدة وغيرها من قرى النفود الواقعة بينهما لم تصلها عدوى الجدري " حسب ما قيل له وسمع في عنيزة.
ثم إن كلامه عن الجدري يوحي بأن الكبار أيضاً منهم من أصيب به، فهو يقول إنه كان يدعى إلى منازل المصابين بالجدري يقول: " وكانت العادة أن يترك المريض ممداً في الظلام وأن لا يعطى أية أدوية خوفاً من أن يفقد بصره "!!! ، ولكن داوتي إنتقد هذه العادات وأنها هي التي تساهم في موت المرضى، وقام بعلاج الكثيرين ، ثم يعلق على ذلك بقوله:
" وبهذا دخلت بيوت أشد المتعصبين من المتدينين " ، ويختم هذه الصورة القاتمة بالإشارة إلى أن أمراض مرضاه الآخرين الذين عالجهم كانت من النوع المتوطن القديم والفتاك، وسيأتي ذكر بعض منها في حينه.
وهذا يرينا بالتفصيل كيف كانت هذه الأمراض الفتاكة تحصد الأرواح في الماضي وتنشرالعاهات – عافانا الله جميعاً من كل ذلك- وقد أشارإليها داوتي في مكان آخر مرة أو مرات في كتابه، كما هي طريقته يذكر الشيء مرة ثم يعود إليه في موضع آخر وهكذا.
ولذلك يلاحظ أن داوتي ينتقل من موضوع إلى آخر دون ترتيب أحياناً.
بالمناسبة: حاولت أن أجد في مصادرنا المحلية شيئأً عن هذه الأمراض لأقارنه بكلام داوتي فلم أجد حتى الآن أي شيء!!!
فـ: / ابن بسام، عبد الله المحمد البسام / رحمه الله صاحب كتاب " تحفة المشتاق " مثلاً وهو معاصر لداوتي وأحد أصدقائه الشباب في عنيزة - كما مر - لم يذكر شيئاً في تاريخه لا عن الجدري ولا غيره ولا عن داوتي، بينما تحدث عن حرب عنيزة مع قحطان في أحداث سنة 1295هـ، وكذلك نفس الشيء المرحوم/ محمد العلي العبيد / في مخطوطه " النجم اللامع" وهو ممن يفصل الحديث في بعض السنوات، يذكر أحداث عام 1295هـ ومنها حرب عنيزة مع قحطان التي يفصل الكلام عنها ( وسيتحدث عنها داوتي فيما بعد لأنه عاصرها) ، ولكن العبيد لا يذكر شيئاً عن الأمراض وخاصة " الجدري " الذي كان يفتك بالناس تلك الأيام، وطبعاً لم يذكر شيئاً عن وجود حكيم أجنبي يعالج الناس أيامها (داوتي) ، ربما أن العبيد رحمه الله وهو راوية قديرلم يصله شيء عن هذا أو لم يهتم لذكرهذه الأمورالتي كانت بالنسبة لهم عادية يعايشونها وتعودوا على سماع أخبارها دون أن تستحق التدوين، والله المستعان.
2-مظاهرالنظافة والترتيب والرفاه......الخ في عنيزة
هاهو شارلزداوتي يواصل حديثه مباشرة وفي نفس الصفحة عن مجال آخرمشرق يفتح النفس وأمور أخرى يلاحظها بوضوح في عنيزة،
يقول:
" أكثر بيوت هذه البلدة العربية نظيفة وتبهج النفس وكلها مبنية من الطين.
الدكاكين في عنيزة مؤثثة تأثيثاً جيداً، الأطعمة المعتادة أرخص في بريدة، ولكن قهوة المخا من اليمن أرخص كثيراً في عنيزة، وكذلك الأقمشة المستوردة من منطقة الخليج ، وأما التمور التي تقدر في القصيم بالوزن فهي من النوع الجيد جداً ويباع حوالي 30 رطل إنجليزي بريال واحد.
قد يكون داوتي يقصد الريال المجيدي – وهو ريال السلطان العثماني عبد المجيد آنذاك، أو يقصد ريال ماريا تريزا الذي عرف واشتهرعند الناس في الجزيرة باسم الريال الفرنسي.
ثم يقول: " يلحظ مظهر الرفاه في ملابس أهل هذه البلدة وهو لباس جذاب ويتسم الرجال هنا بنظرات زهو وشجاعة متحررة، ويحيون بعضهم بعضاً بكلمات كثيرة تقريباً مثل طريقة البدو، ( يعرف طريقة البدولأنه عاش معهم كثيراً ) مع أدب مألوف، وذلك لأن كثيرين منهم يعيشون في مساكن المزارع (الفلايح ) خارج البلد وقليلاً ما يأتون إليها، إلا أنه يلاحظ أن الأسواق والشوارع يكثر فيها الناس أيام الجمعة عندما يأتي كل رجال البلد وحتى العاملين في المزارع في منتصف النهار للصلاة في المسجد الجامع الكبير وسماع قراءة القرآن وخطبة الجمعة ، ويوم الجمعة هو أيضاً يوم سوقهم الكبير."
" كسوة ولباس الفقراء في عنيزة مثل لباس البدو والغترة تلف على العقال ( أو على الرأس )، ويحلق الناس هنا شعور رؤوسهم ولا يتركون ضفائرعلى جانبي الرأس مثل مايفعل البدو. أما الأثرياء في عنيزة فيلبسون طواقي (جمع طاقية) تستورد من فاس ( في المغرب) ويسدلون عليها غترة لا يشدونها أو يلفونها إلا إذا كانوا راكبين خارج البلد.
أما حزام الخصر ذو الثنية الجلدية ويسمي في القصيم حقب أو بريم والذي يلبسه أمراء حائل والعرب الساكنون في المدينة ومكة فالذي يلبسه هنا الحريم فقط. ويجر الرجال المقتدرون مالياً وراءهم عباءات ( مشالح ) سوداء من نسيج خفيف يأتي من العراق. ويصرف الشباب أبناء الوجهاء بقدر ما يساوي قيمة القماش نفسه على الطوق المطرز والمشغول من خيوط المعدن الخفيف.
معظم من يقوم بأعمال التطريز من النساء اللاتي يمتلكن مهارة في العمل على كيفية استقامة خطوط التطريز والتي تكون في العادة موضوعة بطريقة متداخلة وغيرمتقنة حينما تأتي، فتقوم النسوة بجعلها متناسقة بشكل جميل مثل ما نراه من جمال وتأنق في نسيج السجاد الشرقي ( الزوالي.) الوجهاء والمحترمون يمشون في الشوارع ومعهم عصي ( خيزران أو سيسية ) يمسكونها من الوسط بتوازن وهي تتمايل بأيديهم مع المشي، تستورد هذه العصي من مكة. "
هنا لا ترى الحريم ، ولا تراهن يعبرن شوارعهم وقت النهار ولكن عند غروب الشمس وعندما يجلس الرجال ( بعد المغرب ) لشرب القهوة فإنك ترى كثيراً من الأشكال المحجبة تعبر مسرعة إلى بيوت الثرثرة (!!!) ، وسوف يرجعن على عجلة من أمرهن مروراً بالشوارع الخالية أثناء صلاة العشاء الأخيرة حيث الرجال يصلون في المساجد. "
" الرجال مهذبون وربما يكون مجتمعهم الآسيوي مجتمعاً رجالياً."
ما سبق، نماذج لبعض التفاصيل التي سجلها داوتي عن مشاهداته في البيوت والسوق والشوارع وما سمعه من أحاديثه وجلساته مع الناس في عنيزة،
وهي كما قلت مراراً جوانب حضارية وحياتية طبيعية وبسيطة عن تاريخ
" الناس " في بلدنا، ولكن معرفتها مهمة جداً حتى نستطيع تكوين فكرة أوضح عن الناس العاديين في الماضي ونتخيل شيئاً من حياتهم اليومية على الطبيعة وكما هي، بغض النظر وبعيداً عن صراعات الحروب والحكام والسياسة .
>>> كتاب داوتي، ج 2/ النسخة الإنجليزية، ص 375-376 <<<
في الحلقة القادمة بمشيئة الله تعالى تفاصيل أخرى ذكرها لنا، عن التدين، وكثرة شرب القهوة، وعن أمورمثل الرزواج الخ ....
ويتواصل الحديث إن شاء الله... تحياتي للجميع،
عبد العزيز الشبل- الخبر