الحلقة الثانية عشرة
يوميات شارلز داوتي في عنيزة
- الحلقة الثانية عشرة -
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مع التهنئة الأخوية للجميع بالشهرالكريم، وأشكر أخي العزيز " هنا عنيزة " على تحيته اللطيفة وتهنئته التي أبادله إياها، مع خالص الأمنيات الطيبة له ولجميع الإخوة والأخوات الكرام بالتوفيق لكل خير.
ومعذرة لتباعد فترات التواصل مع هذا المنتدى الغالي وذلك لزحمة الانشغالات والإلتزامات المتعددة، ولكن كما قلت سابقاً لن أنقطع أبداً إن شاء الله ما دمت أستطيع.
ذكرت في حلقة سابقة أن الأميرعلي عم الأمير زامل كان أقوى معارض لوجود شارلز داوتي في عنيزة. ولكن الشخصية الثانية التي لم تقبل بوجود شارلز داوتي في عنيزة والأقوى تاثيراً على الأمير زامل وعلى الناس هي شخصية الشيخ "على بن محمد الراشد " رحمه الله إمام جامع عنيزة وقاضيها في ذلك الوقت.
ولنقرأ ترجمة ما كتبه داوتي عن ذلك نصاً:
"" في أحد الأيام ذهبت لزيارة الأمير زامل في منزله فوجدت في قهوته جمعاً من الناس والكل تقريباً ساكتون حوالي الأربعين رجلاً جالسون في وسط القهوة. ثم دخل رجل كبير كان شيخاً للمنطقة ( الشيخ على الراشد ) وقد التفت إلي جاري وهمس في أذني قائلاً بأنهم موجودون هنا (الصباح) قبل الذهاب لصلاة الجمعة. بعد أن شرب الحاضرون القهوة – بعضهم بنفس الفناجين التي شرب بها من قبلهم حيث ان العرب لا يشمئزون من استعمال الأواني التي شرب أو أكل بها أحد قبلهم – أخذ الإمام يقرأ آيات متفرقة من القرآن ويشرحها. ثم قال في نهاية درسه القصير: وللحديث عن عيسى بن مريم، فإن عيسى كان رسول الله حقاً. ولكن النصارى لا يتبعون طريق عيسى لقد انحرفت عقولهم بعناد إلى الوثنية.
ونهض الإمام بعد هذه العبارة ونهض الآخرون ولبس كل منهم حذاءه وغادروا قهوة زامل.""
يقول داوتي أيضاً:
"" إحتمل أهل عنيزة وجودي بينهم فترة طويلة وكانت تلك رغبة الأمير زامل. ولكن المطاوعة الذين يمثلون الدين وقفوا منذ البداية موقفاً معادياً، وقد قام هذا الإمام ( علي الراشد) - وهو رجل مهيب وكبير السن في صحة جيدة مع أنه في السبعين من عمره - قام بتحريض الناس ضد النصراني ( يقصد نفسه وهي كلمة يستخدمها داوتي كثيراً تعبيراً عن نفسه) في إحدى خطب الجمعة في الجامع الكبير حيث ذكر لي أحد الأصدقاء أنه قال ما معناه: إنه لشيء مذموم أن يقوم أناس معروفون من كبار أهل البلد بإيواء ومساعدة رجل غريب غير مسلم، ألا يثيرون بذلك غضب الله ويحادونه، والكل منا يرى أن المطر في هذا الموسم قد حبس عنا؟!""
ثم يقول داوتي: إنه بعد تلك الخطبة بدأ الناس يتغيرون علي وينفرون من السلام الذي ألقيه عليهم فيتجاهلونه ولا يردون وزاد عدد الذين لا يكلمونني، فشعرت بانقباض وغصة من زيادة المضايقات التي تلاحقني. لاحظت أيضاً بعض التغير والتحفظ في التعامل عند بعض أصدقائي مثل السميري وبعض الشباب مثل عبد الله محمد البسام الشاب أما الشاب حمد العسافي الذي كان يسميني الدكتور فلم تتغيرمعاملته.""
وسنلاحظ لاحقاً أن ذلك أدى إلى طرد داوتي عدة أيام إلى الخبرا ثم أعيد إلى عنيزة، ولكن لهذا حيثاً آخر إن شاء الله.
بالنسبة لحرب عنيزة مع قبيلة قحطان التي وعدت بالحديث عنها في الحلقة السابقة:
على حسب علمي فإن هذا الرحالة البريطاني شارلز داوتي هو الوحيد - سواءً من المصادر المحلية أوغيرها - الذي سجل لنا معلومات وملاحظات حول تلك الحرب في أثناء حدوثها، - حيث حصلت بعد عودته إلى عنيزة من الخبرا. - وهو وإن كان لم يحضر المعركة الحربية بنفسه – فقد كان مقيماً في مزرعة عند سورعنيزة يرى تحركات المحاربين من أهل عنيزة في النفود ذهاباً وإياباً- إلا أنه كان على اطلاع بمجريات الأحداث يوماً بيوم، فقد كان يسمع من الغادين والرائحين للمعركة ممن يخرجون من عنيزة ويدخلون إليها وكان يرى الجمال والخيول وهي تخرج للحرب حاملة الرجال والسلاح والمؤونة، وأكثرمن ذلك كان يسمع ويشاهد عرضات الحرب التي أقامها بعض الرجال وهم خارجون من عنيزة وبعد نهاية الحرب. كان داوتي أيضاً يستفسر من أصدقائه ومن يراهم من الضيوف المارين بالمزرعة التي بقي فيها أكثر من ثلاثة أسابيع قبل مغادرة عنيزة يعالج الناس الذين يأتون إليه مرسلين من الأمير زامل أو غيره من أصدقائه.
من هذا المنطلق وبهذا المعنى يمكن اعتبار داوتي شاهد عيان، ومعاصر لهذه الحرب.
دون الدخول في خلفيات هذه الحرب فسوف أكتفي بالإشارة بإيجاز شديد إلى:
أن عنيزة وأمثالها من بلدان نجد كانت لها علاقات ببعض القبائل المهمة والتي لها تواجد في المناطق القريبة وهذا شيء معروف في تلك الأيام. هذه العلاقات تتنوع من تجارية واجتماعية إلى تحالفات سياسية وعسكرية الخ، أحياناً تكون هذه العلاقات ودية وأحياناً متوترة، وكان التوتر يحدث غالباً نتيجة تغيرالتحالفات المتفق عليها أو نتيجة اعتداءات من بعض أفراد القبائل على ممتلكات أصحاب المزارع أو الماشية.
كان البدو من قحطان مثل غيرهم يأتون إلى سوق عنيزة للتسوق ومبادلة بعض البضائع التي لديهم من جلود وسمن وبقل وسجاد وغيرها بما يحتاجونه من المدينة من ثياب وغذاء وقهوة الخ
إلا أن علاقة أهل عنيزة بقحطان في تلك الفترة بالذات كانت سيئة، وكانت هناك اعتداءات متكررة من "" بعض "" أفراد هذه القبيلة.
وحتى لا أطيل في المقدمة أترك المجال لما سجله داوتي.
في هذا يعطينا داوتي نصاً يصور مشهداً حضره بنفسه:
"" في صباح أحد أيامنا هذه وصل إلى البلد خبر يفيد أن البدو سطوا على بعض الفلاليح الذين يحصدون الزرع في الوادي ( وادي الرمة) وأخذوا حميرهم. وخلال فترة لا تزيد عن نصف ساعة من انتشار الخبر في عنيزة شاهدت أكثر من مائة شاب من شباب عنيزة مسلحين ويتجهون بسرعة إلى البوابة الشمالية المتجهة إلى بريدة، وقبلهم ركض الكثير من الشباب الفقراء على أرجلهم ومعهم رماح طويلة، وبعد ذلك خرج الرجال المقتدرون على الجمال وكل واحد معه رديف، كانوا جميعاً يريدون اللحاق باللصوص، ولكن تبين بعد فترة من النهار أن هؤلاء اللصوص كانوا أخف وأسرع في الهرب وقد ابتعدوا عن الوادي ومنطقة عنيزة كثيراً.
وخلال هذه الأيام كانت الشائعات تدورعن احتمال قيام حرب بين عنيزة من جهة وقحطان وبريدة من جهة أخرى. وكان الناس يقولون إن حسن بن مهنا وأهل بريدة يدركون أنهم أقل تسليحاً وعدداً من أهل عنيزة وهم في النهاية لن يغامروا في حرب يقفون فيها مع البدو ضد جيرانهم وسيتحصنون خلف أسوار بلدتهم يتركون مزارعهم تحت رحمة العدو.
ولكن الذي حرك الأمير زامل وأهل عنيزة فعلاً لحرب قحطان ليس خوفهم من تحالف بريدة مع قحطان، بل هي الأخبار التي وصلت عنيزة عن اعتداء قحطان على مخيمات قبيلة مطير وهي حليفة لأهل عنيزة حيث أغار عليهم القحطانيون وقتلوا منهم ونهبوا، ونظراً لتفوق القحطانيين فقد هرب معظم المطران باتجاه عنيزة تاركين قطعانهم من الماشية وبقية الخيام والأثاث ويقال إن مذبحة حصلت لبعض أفراد من مطير وكان فيها قتل أطفال وطعن نساء، كما قتل أحد كبار مشايخ مطير بيد حيزان زعيم قحطان نفسه.
اتجاه قبيلة مطير إلى عنيزة جعل أهل عنيزة يعقدون العزم على ضرورة التخلص هذا الطاعون العدو المشترك. وقد بدأت الاستعدادات لحرب كبيرة ضد قبيلة قحطان وليست مجرد مطاردة للصوص. بعث الأمير زامل في البداية سرية من مائة رجل من راكبي الجمال بقيادة ابن أخيه الأميرعلي: وهو يحي الشاب وهو ذو صفات رجولية ولكنه مثل أبيه يتميز بضيق الأفق، كان هدف هذه السرية أن تطوف في مناطق النفود المحيطة وتستطلع الأخبار والأوضاع.
في هذا الجو المشحون بالعداودة ضد قحطان رأيت قحطانياً جاء ليتسوق في عنيزة، ولكن ما أن رآه أهل البلدة وعرفوا لهجته حتى أمسكوا به وأرد البعض سحبه من فوق الشداد وهو على ذلوله وصاح به البعض: تعال معنا لزامل، لم يقاومهم الرجل، وفقاموا بعقل الناقة في إحدى رجليها وتركوها حتى تنتهي مقابلة زامل. لاحظت ان أصحاب الدكاكين القريبة لم يبالوا بما كان يحصل. كان الأمير زامل في نفس الوقت لم يعلن بعد عن قحطان بأنهم أعداء محاربون لعنيزة، ولذلك تعامل مع هذا البدوي القحطاني بشكل متحضر وخاصة أنه لم يقم أحد عليه أي دعوى وإنما كان فرداً عادياً جاء للسوق، فأمرالأمير بفك قيده وإطلاق سراحه وتسليمه ذلوله.
ويستمر داوتي في كلامه عن هذه الحرب وتطوراتها...........>> كتاب داوتي: النسخة الإنجليزية، ج 2/ ص 392-396 <<
للحديث تتمة قريبة جداً إن شاء الله،
تحياتي للجميع – عبد العزيز صالح الشبل - الخبر