صفحة مطوية بين الشاعرين الكبيرين:
محمد القاضي..... وعلي الخياط
>> الحلقة الأولى <<
أولاً:
السلام عليكم جميعاً، وتهنئة خالصة بعيد الأضحى وكل عام والجميع بألف خير.
هذه نقاط متناثرة عن بعض الراحلين المشهورين من عنيزة.
من هؤلاء شاعران تربعا على عرش الشهرة في عنيزة في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري ( التاسع عشر الميلادي). تميز كل واحد منهما بقوة وعظمة شعره في مجالات معينة.
هما أشهرمن نارعلى علم:
محمد العبد الله القاضي وعلي رشيد الخياط، رحمهما الله
" مجلس عنيزة " الموقر قد كرم محمد القاضي بأن سمى أحد المنتديات وهو الخاص بالأدب الشعبي باسمه: " مجلس ابن قاضي" وتم افتتاح هذا المنتدى بقصيدة مشهورة له.
وفي أحد المنتديات الأخرى توجد قصيدة علي الخياط المشهورة عن عنيزة ،
هذي عنيزة مانبيعه بالزهيد
كما قام قبل فترة قصيرة الأخ " تنوين " مشكوراً بإتحافنا بنبذة موجزة ومفيدة عن الخياط في موضوع :
( لوحة عنيزة الشرفية.......للراحلين )
هنا لن أتدخل في اختصاص مجلس " ابن قاضي " ولا " مجلس الشعر والأدب " من ناحية الشعر والأدب، فأنا لا أجيد السباحة كثيراً في هذا المجال، ولذا أتركه لفرسان وفارسات الكلمة في هذين المجلسين، مع تذوقي للأدب والشعر واعتزازي بكل مطارحاتهم ومداخلاتهم الشعرية والأدبية.
حديثي هنا هو عن جوانب تدخل في مجال كشف صفحات مطوية عن " تاريخ عنيزة القديمة " ، ولذلك فالحديث عن هذين الشاعرين الكبيرين هو كالعادة في كل ما أكتب: من منظور تاريخي بحت ومن باب معرفة سواليف وعلوم الأولين التي يقل أن نجدها أو نسمع عنها، أوأحياناً نسمع عنها مشوشة أو منعزلة عن بعضها وظروفها دون رابط كأنها جزرمعزولة عما حولها. فأحاول هنا التوضيح وترتيب الأحداث والأخبارمع التعليق عليها وإعطائها قالباً يجعلها مشوقة ومفهومة تنسجم مع إطارها التاريخي وظروف أهل عنيزة في ذلك الزمان.
لن أتناول الموضوع بالأسلوب التقليدي الذي هو ترجمة حياة كل منهما لأن هذه تقريباً معروفة ومتيسرة لمن أرادها وقد تكون في مكان آخر من هذا المجلس، فبعض ما ينشر لم أتابعه نظراً لكثرة موضوعات ومنتديات " مجلس عنيزة " الذي أتمنى له بجميع منتدياته نمواً وتطوراً إلى الأحسن والأفضل.
محمد العبد الله القاضي عاش بين عامي 1224 و 1285هـ (1809- 1868م )
شاعر عنيزة المشهور له لون معين في الشعر، واشتهربالكرم ونبل الأخلاق، كان واسع الثقافة والإطلاع في زمانه والعلاقات المتعددة مع أناس من داخل وخارج عنيزة بشكل يتناقض أحياناً مع ما يتوقعه أهل عنيزة منه لما هو معروف عنه من حب وطنه عنيزة وانتمائه لها ولكنه استطاع شخصياً أن يوائم بين كل ذلك ولم يجد تناقضاً كما سنلاحظ.
علاقة صداقة قوية مع طلال بن رشيد:
من هذه العلاقات الغريبة علاقته الحميمة بواحد من أشهرأعداء أهل القصيم وعنيزة بالذات من آل رشيد وهو الأمير طلال بن عبد الله بن رشيد ( الذي تولى بعد أبيه مؤسس إمارة آل رشيد وتوفي طلال 1282هـ 1865م منتحراً نتيجة يأسه من مرض لا يرجى برؤه كما قيل.) كانت علاقة صداقة بين الرجلين تجاوزت ظروف تلك الأيام المشحونة بالعداوات والتوتر وقفزت على الحروب المتبادلة بين القصيم وحائل ولم تتأثربها. كانت فترة شهرة القاضي والخياط فترة مضطربة سبق أن أشرت بشيء من التفصيل أثناء الحديث عن " بقعا" و "المليدا" إلى جوانب متعددة من هذا التوتر والإضطراب في العلاقات بين القصيم وحائل لا داعي لإعادة شيء منها.
المهم أن الصديقين الشاعر محمد القاضي والأميرطلال بن رشيد كانا يتبادلان الأخبار والأشعار والهدايا.
عن تبادل الهدايا بينهما تروى قصة طريفة:
يحكى عن محمد القاضي أن طلال بن رشيد مرة من المرات أهدى له كبريت ( وكانت الكباريت جديدة غير معروفة في نجد) حيث إن طلال وصله ثلاثة كباريت هدية من تركيا فأهدى لصديقه القاضي واحداً منها من شدة غلاه عنده. كانت عادة الناس إذا أرادوا يولعون النار إنهم يقبسون يعني يقدحون النار قدحاً بوسائل بدائية ومتعبة، ولذلك يحاول معظم الأهالي إنه يبقى جمرمن الليل تحت الرماد يولعون منه الفجر، واللي ما يبقى عنده شيء يطق على الجيران يسألهم إن كان عنهم شيء يولعون منه أحياناً يلقى وأحياناً ما يلقى، وكانت معاناة شديدة وخاصة وقت الشتاء. كان للقاضي صاحب لهم عادة يتقهوون مع بعض بعد الفجر، أخذ محمد القاضي معه عودين من الكبريت الجديد، ويوم راح لصاحبه وإذا هو يحرث بالرماد يدور الجمر ولكن ما لقى شيء ذاك اليوم. قال له محمد وش تعطين إن ولعت لك الضو من عود الحطب؟ قال صاحبه أعطيك داري ولكن ما تقدر، وشلون تشب من عود حطب لحاله؟ قال القاضي عطني العود وكان مخفي عود الكبريت بين أصابعه ومدخلها بكمه ما يشوفها رفيقه ولا خطرعلى بال رفيقه إن فيه شيء جديد يسمى كبريت. ضغط القاضي عود الكبريت على عود الحطب عند الطرف وشخطه بالوجارفولعت النار وصاحبه يطالع مستغرب وأخذ القاضي الخوصة أو السعفة وقربها للعود وعلى طول ولعت وحطها على الحطب. صاحبه ظن هذا سحر وحط يده على النار ما هو مصدق فالتهبت ورفعها بسرعة وهو يقول أنا أشهد إن هذي معجزة والله لو انك يا محمد ادعيت النبوة فأنا أول من يصدقك فمات القاضي من الضحك، ولا أخبره بالحقيقة إلا بعدين.
للقاضي قصائد يمدح فيها طلال بن رشيد منها قصيدة مشهورة يقول فيها :
طلال لو قلبك حجر أو حديدي ........أمداه من حامي وطيس الوغى ذاب
......................
وكسيت نجد بثوب عز جديدي .........وسلبت روح عداك يا أعز الأقراب
.............................
تلقى الخطوب ببأس ليث شديدي........ وعزايم عزت على عمرو وشهاب
أحيت شجاعة خالد بن الوليدي ..........وانست مقالات لابازيد وذياب
الخ...... والقصيدة طويلة.
جعلت هذه القصيدة أهل عنيزة يزعلون ويشرهون ويتأثرون كيف إن القاضي يمدح عدوهم اللدود الذي يقاتلهم مراراً وقتل منهم ناس، تأثر الأمير زامل وناس كثيرين، كذلك تأثر بحماس شديد من يمكن أن نطلق عليه بحق شاعر " الحماسة " في عنيزة علي الخياط.
قال الخياط من شدة شرهته على القاضي:
علام هرجك يا زبادة يزيدي ..........ضد مدح ضده ولا سرالأقراب
طلال ما له من مديحك مزيدي.......نجم ظهرعزاى لربعه إذا غاب
>> زباده لقب اشتهر به الشاعر محمد القاضي رحمه الله<<
ولكن كما أشرت أعلاه، فـ: محمد العبد الله القاضي لم يعرف عنه أنه خان بلده عنيزة أو رغب عنها ولم ينتقل منها فقد كان مضرب المثل في الكرم والضيافة وحسن المعاملة، كما أن علاقته مع طلال بن رشيد كانت على رؤوس الأشهاد ليست خافية على أحد بمعنى أنها لم تكن في الخفاء بحيث يوالي آل رشيد ضد بلده، بل على العكس كانت صداقة رجل لرجل يقدر كل منهما الآخربغض النظرعن الأمورالأخرى السياسية والعسكرية، لأن طلال رحمه الله نفس الشيء وجد أناساً في حائل كانوا لا يرتاحون لمصادقته للقاضي القصيمي.
ولقد قال القاضي رحمة الله عليه قصائد عصماء في مدح عنيزة وأهلها، من ضمنها هذه الأبيات في واحدة من قصائده المشهورة:
.....................................
.......................................
دار لنا واد الرمه هو شماله........... غربيه الضاحي وشرقيه الجال
دار لنا دار السعد والشكالة .......... ما ساقت الخاوة للاول ولا التال
دار لنجد مشرع كم عنى له.......... لا جى ومحتاج وراج ونزال
حموا حماها بالمراجل رجاله......... لين أوحشوا من جا لجاله بالأفعال
الخ......... هذه القصيدة في حبه واعتزازه بعنيزة.
يتبع إن شاء الله في الحلقة الثانية : نقاط متناثرة عن الشاعرعلي الخياط،
تحياتي للجميع – عبد العزيز بن صالح الشبل- الخبر