مجلس عنيزة  



مجلس عنيزة القديمة ( تاريخ عنيزة القديم , تراثيات , متحف الكتروني )



غـُـرْبـَة ! (للكاتب: مها البسام ) (القراء: 12 ) (الردود: 1)          »          برنامج القرآن الكريم ثلاثي الأبعاد‏ (للكاتب: قلب طفلة ) (القراء: 10 ) (الردود: 1)          »          استخدام أبوال الإبل وألبانها كعلاج لأمراض السرطان (للكاتب: سراب الطموح ) (القراء: 4 ) (الردود: 0)          »          `برنامج جميل ومسلي يخرج أصواتا رائعه عند الكتابه ع ... (للكاتب: hicham82 ) (القراء: 7 ) (الردود: 1)          »          !!.. لكِ اللهُ ياغزّه ..!! (للكاتب: دايم الحر ) (القراء: 12 ) (الردود: 1)          »          هيئة الرياض تقبض على شاعر محاورة مشهور برفقة 6 نسا ... (للكاتب: الوافي 2000 ) (القراء: 15 ) (الردود: 0)          »          ثيم ويندوز 2010 تحفة و ممتع جدا (للكاتب: hicham82 ) (القراء: 5 ) (الردود: 0)          »          معرض الطفل في كلية التربية للبنات بعنيزة (للكاتب: نهًو ) (القراء: 45 ) (الردود: 12)          »          شباب النجمة Vs شباب الرائد ( سجل حضوركـ وتوقعاتكـ ... (للكاتب: نجماوي للابد ) (القراء: 11 ) (الردود: 1)          »          برنامج رياضي في قناة السودان‏ (للكاتب: miss you ) (القراء: 34 ) (الردود: 5)          »          نــــــــقـل مدرسات وطالبات (للكاتب: صموده ) (القراء: 10 ) (الردود: 0)          »          سمو ولي العهد... (للكاتب: صدام حسين515 ) (القراء: 17 ) (الردود: 0)          »          خدمات حاسوبية مميزة من Computer X (تصميم.برمجة.برا ... (للكاتب: Computer X ) (القراء: 19 ) (الردود: 0)          »          خادم الحرمين الشريفين ... (للكاتب: صدام حسين515 ) (القراء: 19 ) (الردود: 0)          »          سلطة الملعب !!! (للكاتب: دموع السحاب ) (القراء: 22 ) (الردود: 1)          »          ما الذي يجذب الناس اليك..!؟ (للكاتب: المباركية ) (القراء: 31 ) (الردود: 5)          »          مسابقه لمن العصير (للكاتب: فتى الاحلام ) (القراء: 33 ) (الردود: 1)          »          مشغل الــ DVD الرائع برنامج FantasyDVD Player Plat ... (للكاتب: Alsharq ) (القراء: 13 ) (الردود: 1)          »          حدَث في عنيزة عام 1357 هـ (للكاتب: المتوكل ) (القراء: 67 ) (الردود: 5)          »          يخترق 32 عقاراً ... بدء الهدم والتمهيد لسفلتة طريق ... (للكاتب: s7aab ) (القراء: 59 ) (الردود: 1)          »         

رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع تقييم الموضوع  
pbit_left.gif

مراقب مجلس عنيزة القديمة
 
هُـنا عنيزة غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: 04 2002
المشاركات: 160
شكرًا لك: 0
شـُكر 3 مرات عن 2 مشاركات
pbit_right.gif
pbit_left.gif
قديم 08-01-04, 02:05 PM   #1
.. الشيــخ .. مقالات عن الشيخ ( ابن سعدي ) رحمه الله


الشيخ

بقلم : إبراهيم عبدالرحمن التركي



(1)
** كانت المسافةُ «خريفاً» غادره حرُّه.. و«شتاءً» اتصلَ قرُّه.. وبينهما حكاياتُ «الزمن».. تطوافٌ لا يقف..وحياةٌ لهدف.. ومنطقٌ يأسو ويقسو.. ويبحر ويرسو..فيرحل «الأسى».. ويبقى «التأسي»..
(2)
** لم يستطع «المطرُ» حجبَ «الحزن».. فكانت «القطرات».. ومعها العبرات :

هبوني أغضّ إذا ما بدتْ
وأملكُ طرفي فلا أنظرُ
فكيف استتاري إذا ما الدموعُ
نطقنْ فبُحْنَ بما أضمر..؟
«العباس بن الأحنف»
** ووري الثَّرى.. ولم يتوارَ عن الورى..
ودعته «عنيزةُ».. ودعتْ له..!
لم تكن هناك «صِحافةٌ» تمجِّد
أو «إعلانات» تعدِّد.. وتردِّد
أو «وفرةٌ» تأذنُ بالتذكير والتمدد.

لم أنسَ يوماً تهادتْ نعشه أسفاً
أيدي الورى وتراميها على الكفنِ
كزهرةٍ تتهاداها الأكف فلا
تقيم في راحة إلا على ظعنِ
«علي بن محمد بن هذيل البلنسي»

(3)
** مضى «الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي 1307 -1376هـ» إلى ربّه.. ومضى معه من كانوا شيوخاً.. ومعظم من كانوا كهولاً.. «شاخ الشباب»..واكتهل «الصبية».. وتتالت الأجيال.. وبقي الرمز والمثال..

سُبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها
مُنعنا بها من جَيْئةٍ وذهوبِ
«المتنبي»

(4)
** لم يخلده شارعٌ باسمه.. أو معلمٌ برسمِه.. فقد كفاه ما قدّم ليتقدّم.. وما بذل ليتسنّم.. وها هو -اليوم- بعد نصف قرن من المأتم.. يبني.. ويوجه.. ويُعلِّم..
عاش ما اهتم بدينارٍ ودرهمْ
مشرق النفس.. وضيئاً.. يتبسم..

(5)
** وسطيٌ قبل أن تؤدلج «الوسطية».. ومرب لم يحتج إلى «نظرية».. وعالم دقيق.. وداعية رفيق.. لم يكتف بالفتيا.. ولم تشغله الإمامة والخطابة.. ولم ينقطع «للدَّرس» و«الطِّرس».. بل كان فيها.. ومع سواها.. قاضياً بلا «منصب».. وإدارياً دون «مرتب».. ورجل برٍّ وخير وصلة.. يحل المشكلات.. ويسدد الثغرات والعثراتِ:

أرى طبَّ جالينوس للجسم وحده
وطبّ أبي عِمْران للعقل والجسم
«ابن سناء الملك»

(6)
** تعامل مع «الواقع».. وتفهَّم النوازعَ والدوافع.. فاتصل به المحسن والمسيء.. لم يخشه «مقصِّر».. ولم يظهر من تلاميذه «مُكفِّر» أو «مفجِّر» :

فيم تجنون على آبائكم
ألمَ الثُّكل شديداً في الكبرْ
وتعقُّون بلاداً لم تزلْ
بين إشفاقٍ عليكم وحذرْ
قاتلُ النفس ولو كانت له
أسخطَ اللهَ ولم يُرضِ البشر

«أحمد شوقي»

(7)
** لو اختصرت سيرة الشيخ.. لقيل عنه: عَلِم.. وعَمِل.. فأنارت مسيرته.. ورويتْ سيرته.. ينقلها الأجداد للأحفاد.. وتسعد بها البلاد والعباد..!
** عرف بعضنا الشيخ بإعجاب أبيه.. ودعوات «جدته».. وحكايات ناسه ممن تقدموا وجايلوه.. فرأوا بعين طفلٍ نابه.. أو شاب فاحص :

فأحسنُ وجهٍ في الورى وجهُ محسن
وأيمن كفٍ فيهِم كفُّ منعم..
«المتنبي»

(8)
** روى الوالد -حفظه الله- عن أحد أصدقائه حين كان صغيراً أن أباه دعا «الشيخ عبد الرحمن» لمنزلهم.. وفيه «مذياع» أداره الطفل -دون انتباه والده- على إحدى المحطات وهي تبث «أغنية».. فلم ينهره الشيخ أو يزجره وإنما اكتفى بمخاطبته بلطف، وطلبه إلى جانبه، وشرع في شرح أهمية المذياع ودوره «الإخباري» و«التثقيفي»، وأنه مثلما يستخدم لأمورٍ جيدة فإن فيه أموراً أخرى لا ينبغي الحرصُ عليها.. وكان درساً «تربوياً» بليغاً..

(9)
** ذكر أستاذنا الكبير عبدالرحمن البطحي - حفظه الله - نقلاً عن «والدته» أن زوجة الشيخ - رحمها الله - روت لها بشكل خاص أنه كان يحتاجُ فيبيع من «أواني» المنزل.. مشدداً على عدم إخبار أي أحد من أبنائه أو أقرب أقربائه، أو سواهم، واعتذر عن قبول مكافأة عرضها عليه «الملك» - حينها - مقابل «الإمامة» و«الخطابة» بجامع عنيزة الكبير..!

(10)
** في ندوة «مركز ابن صالح بعنيزة» عن «الشيخ» روى الأستاذ الدكتور عبد الله اليوسف الشبل أن «أحدهم» تحدث معه عن احتواء كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر على إساءة «للعرب»، فسأله الشيخ: هل قرأت الكتاب بلغته الأصلية؟ وإذ نفى «المعترض» ذلك وأنه قرأ النسخة العربية رد الشيخ :
- إذن فاعلم أن الكتاب صدر «بالألمانية» ثم ترجم إلى «الإنجليزية» ومنها إلى «العربية»، وربما زيد عليه أو أبدل فيه، ومن الواجب «التثبت» قبل الحكم وخصوصاً أن «لهتلر» أعداءً لن يتورعوا عن تشويه صورته.. وفي هذا درسٌ «فكريٌّ» لمن يُصدرون «أحكامهم» على أساس: «يقال»، و«سمعنا»، و«هذا ما يراه الإخوان».. إلخ.

(11)
** في مراسلاته مع الشيخ عبد الله بن عقيل المجموعة في كتاب «الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة».. تحدث الشيخ عبد الرحمن عن عدم تكفيره «أهل البدع» «الجهمية والمعتزلة..» إلا «المعانِد»، ووردته «احتجاجات» حول فتواه من بعض طلاب العلم، وكان منهم من أغلظ له القول، فأجابه الشيخ بهدوء عجيب، وأضاف: ولم أناقشه في شدته، ولا حاسبته على ألفاظه غير اللائقة.. «حيث» زعم أن هذا التفصيل مخالف لمذهب الأمة، وأنه باطل متناقض، وأننا أتينا بمكفرات وطامات.. إلى آخر ما ذكر..
** وقد تساءل «الشيخ» في رسالته المؤرخة في غرة رجب 1362هـ: كيف يصدر هذا الكلام ممن ينتسب للعلم من دون أن يعرف ما عند صاحبه ومن دون أن نقابله..؟.. ثم يلتمس «عذراً» لهذا المتشدد فيقول: الظاهر أنه - إن شاء الله - ليس دافعُه الهوى لأني لا أعرفه ولا يعرفني ولم يجرِ بيني وبينه قبل هذا أدنى مكاتبة..
* وانقسموا إلى حزبين متطرفين وكادت تحدث فتنة لولا تدخله بحكمته ووعيه مما لا يسع المجالَ تفصيلُه..!

(12)
** رغم أنه من أوائل من ردوا على «القصيمي 1907- 1996» بعد إصداره كتابه «التحوليّ» «هذي هي الأغلال سنة 1946م» بكتاب أسماه: «تنزيه الدين وحملته ورجاله مما افتراه القصيمي في أغلاله» فإنه تمنى له الهداية والرجوع إلى الحق.. ولم يستثرْ «السلطة».. ولم يحرِّض «الدهماء».. ولم يبك ضياعَ «الدين» أو اختلال القيم..!

(13)
** تجاوز بعلمه وعمله كلّ ما قيل أو يقال عن السلفيين من «تحجر» و«انغلاق» وغلظة.. ودعا إلى تعلم «العلوم العصرية» وأنكر من يقف أمامها وبيَّن أن هذه من علوم «الوسائل» التي تسندُ علوم «المقاصد»، وله «فتاوى» تدل على «سعة أفق» لا نزالُ دونها رغم كرِّ الأعوام.. وتضاؤل «العاميّة» و«العوام»..!

(14)
** ذكر حفيده الصديق أحمد العبدالله السعدي أن الشيخ وجد مع ابنه «محمد» - أمد الله في عمره - حين كان في «لبنان» كتاب «ديل كارينجي»: «دع القلق وابدأ الحياة».. فقال إن لدينا في الإسلام ما هو أفضل وأشمل، وكتب رسالته الذائعة «الوسائل المفيدة في الحياة السعيدة» التي قرأها وأعجب بها معظمنا في مرحلة «التكوين»..!

(15)
** روى من سافر معه أو رافقه في رحلاته من «سائقين» أو «مساعدين» أنه كان يتعمد طلب إيقاف السيارة - بشكل منتظم - والابتعاد قليلاً بدعوى قضاء الحاجة ليدع مجالاً لمن «يُدخن» منهم دون أن يشعر بالحرج أو المشقة..

(16)
** ولد صاحبكم.. وتوفي الشيخ.. فلم يره وعرفه.. ولم يعاصره وأحبّه.. ومضى الزمن ولم ينسه..
** يتجدد مع «التشدد».. ويتميز مع «التحيّز».. ويعلو مع «الغلو».. فهو «نموذج» «اليسر» في مسافات «العسر».. و«الانفتاح» في مدارات «الجمود» و«التطرف» و«الحِدّة» و«التعصب» و«التكفير»..!
** «إمام» من «قلب الجزيرة».. قدِّموه - إذا أنصفتُم - نموذجاً «للسلفيّة» و«الوهابيّة» و«التيميّة» و«الحنبليّة».. واطمئنوا فسيعرفُ الناس «الذين يُهمكم رأيهم» أننا «متسامحون».. «مرنون».. دون أن نحيد أو نزيد.. ولو شاء «الانتقائيون» و«الانتهازيُّون» و«الظلاميّون» غيرَ ذلك..!

- العقل لا يؤسر..!

صحيفة الجزيرة
الاربعاء 15 ,ذو القعدة 1424هـ
http://www.al-jazirah.com.sa/354686/ar2d.htm

التعديل الأخير تم بواسطة : هُـنا عنيزة بتاريخ 25-07-07 الساعة 09:58 AM.
رد مع اقتباس top
pbit_right.gif
Top
pbit_left.gif

مراقب مجلس عنيزة القديمة
 
هُـنا عنيزة غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: 04 2002
المشاركات: 160
شكرًا لك: 0
شـُكر 3 مرات عن 2 مشاركات
pbit_right.gif
pbit_left.gif
قديم 25-07-04, 05:15 PM   #2

ابن سعدي العلاَّمة وصاحب الصدر الوسيع


أشكر الأخ ابراهيم التركي إذ غذّى صفحة مقالات الجزيرة عدد 11423 وتاريخ 15/11/1424هـ عن العلاَّمة الفاضل عبدالرحمن السعدي عليه رحمة الله وعلماء الأمة أجمعين وعند تسلسل العبارات التي ساقها الكاتب إبراهيم يسعدني أن أرفق بعض العبارات التي فهمتها شخصياً من بعض الأشخاص أو التي قد رأيت بعضاً منها ولو أنني كنت صبياً..
يجوز من الخطأ أكثر من الصواب ولكن المندوحة والخاطرة تفيدان أن ينضم لقاموس المعلومات الآنفة ولو بالشيء اليسير وهو أنه أي الشيخ كان يجلس قبل صلاة العشاء بالجامع مع حشد يترقبون تفسيره لمحكم الكتاب حيث يشرح الآيات حسب مناسبتها للأحاديث والبيان المجيد بعين الواقع وأنه يُفهم الجلوس للاستماع بلغة مفهومة للعامة لأن بعض الجالسين آنذاك أميين , فابن بسام يقرأ القرآن رويداً رويداً ثم يبدأ الشيخ بالحديث ويشرح الآية تلو الآية بالبيان المفهوم , وكان النور آنذاك على السراج القديم , وقد ذكر لي أحد الأشخاص أنه قد أرسل له هدية عبارة عن كيسي عيش من أحد الأعيان فأرجعه مع الحامل وأعطى الحامل ريالين أجرة الترجيع لاعتبار أنه يخشى أنه مستحصل من الزكاة فهو لا يستحقها , وكانت الإيرادات سابقاً على الله ثم على المزارعين , ولذلك فإنني أنصح أي عاقل أن يشكر نعمة الله عليه بأي مكان
كما ذكر أنه قبل وفاته رحمه الله قد ذكر أن البقرة الحلوب التي كانت عنده تعود لابنه عبدالله المقيم بالرياض كأنه أي الشيخ رحمه الله يُسلِّم عُهدة أو يؤكِّد زهده بما تحت يديه وتلك نعمة من الله إذ أعلن ذلك..
كذلك ذكر أنه عند بناء الجامع بوقته كان الناس يتعاونون كل على قدر استطاعته يحضر شيئاً , فأحضرت امرأة كبيرة السن مساهمتها بالمساعدة وهي بعض من «الرّماد» والرماد هو بقية حرق الخشب بالوجار الذي عادة يرش بالزنبيل حتى لا يلتصق الطين بالزنبيل فيكون الرماد عازلاً , فضحك العمال ورجّعوا الرماد وانكسر خاطر المرأة المُسِنَّة , فلما علم الشيخ بذلك أمرهم بأخذه وقال لهم تلك جهدتها ما دمتم تستعملونه فخذوه تلك بعض مما فهمته من بعض المصادفات والروايات من الآخرين فالحسنات أياً كانت محفوظة لأصحابها بإذن الله.

عبدالرحمن محمد الحميميدي/عنيزة - ص.ب: 3093
الجزيرة / العدد 11435
الأثنين 27 ,ذو القعدة 1424
Monday 19th January,2004
رد مع اقتباس top
pbit_right.gif
Top
pbit_left.gif

مراقب مجلس عنيزة القديمة
 
هُـنا عنيزة غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: 04 2002
المشاركات: 160
شكرًا لك: 0
شـُكر 3 مرات عن 2 مشاركات
pbit_right.gif
pbit_left.gif
قديم 25-07-04, 05:21 PM   #3

منتدى الكتّاب> عبدالله محمد الغذامي

هدية الشيخ

كنت صغيراً لم أبلغ السادسة بعد، وكان الوقت ما قبل الغروب حيث جلست على عتبة الباب وحيداً أهجس بهواجس طفل صغير، وأعرف أن الشيخ سيأتي بعد قليل، وها هو يجيء ويبتسم في وجهي كعادته ويدخل يده في جيبه وهذا ما كنت أنتظره ويخرج شيئاً أحمر مدوراً له رائحة لاأعرفها ولكنها قوية وزكية، لم أعرف هذهالهدية ولم أر شكلها من قبل ولا أدري ما هي، ولكني جربت أن أقضم منها قضمة فوجدتها طيبة الطعم وحلوة وغضة، فأخذتها للبيت ودسستها وظللت أتردد عليها يومين أخاتل الوقت بعيداً عن أهلي الذين لم أخبرهم بهدية الشيخ، وظل الطعم الزكي يرن في ذهني وأحلم به متمنياً تكراره، ومرت السنين، حتى إذا ما كبرت علمت أن تلك كانت تفاحة، وقد أهداني إياها الشيخ عبدالرحمن السعدي، جارنا الذي تعودت على رؤيته كل مساء حيث أعطاني اليوم هذه الأعطية العجيبة، لم نكن نعرف هذا التفاح في عنيزة، كان عندنا تفاح أخضر صغير اللون فيه بعض حموضة، وهو تفاحنا، وحينما عرفنا أنواعاً من التفاح صرنا نسمي تفاحنا الأخضر بالتفاح البلدي تمييزاً له عن التفاحات الأخرى ذوات الألوان والمذاقات.

كنت أجلس كل مساء على عتبة بيتنا في موعد ثابت مع جارنا الشيخ السعدي الذي كان يخرج قبل أذان المغرب متجهاً للجامع، وهناك له مواعيد مع كل أطفال الحارة، حيث نجد منه الابتسامة وبعض الأعطيات، وكان في الغالب يعطينا نوعاً من الحلاوة لا يخلو منها جيبه أبداً، وكلما مر على أطفال مازحهم وتلطف بالحديث معهم وقبل الانصراف يدخل يده في جيبه ويوزع الحلوى عليهم، وكنا نترصد المواقع في طريقه كلما تاقت نفوسنا لشيء من الحلوى، كانت الحياة في ذلك الوقت شحيحة وكل شيء نادراً، ولذا فإن قطعة الحلوى ستكون عيداً لا مثيل له لنا كأطفال، ولكن التفاحة شيء آخر، شيء لم يكن ليخطر على بال وليس في حسبان الخيال ولا في أقصى تصوراته، ومازلت أجهل كيف جاء ذلك التفاح إلى الشيخ، وإن كنت سمعت أن من عادة أهالي عنيزة أن المسافر منهم كان يحرص على مهادات الشيخ حين عودته من سفره ويحرص على أجمل هدية وأظرفها، ولعل أحداً من وجهاء البلد قد أحضر تفاحاً من خارج عنيزة وأعطى الشيخ منه، وعمم الشيخ الهدية على الجميع - كما هي عادته -.

لم تكن تلك قصتي الوحيدة مع الشيخ، ففي عام 1373(1953) جاء عنيزة مطر وفير، والسنوات المطيرة يسمونها سنوات الربيع، ولا يكون الربيع إذا لم يكن مطر، والربيع ليس موسماً سنوياً بقدر ما هو مسمى لسنوات الخير، وفي ذلك العام كثر الخير فصار الناس يخرجون البقر من البيوت إلى المراعي، وهي عادة لا تكون إلا مع وفرة الربيع، حيث تخرج الأبقار، بينما المعتاد هو خروج الأغنام مع بقاء البقر في البيوت، خرجت بقرتنا مثل غيرها من بقرات الجيران، ويأخذهن راع يجمعهن من البيوت صباحاً، ويعيدهن مع المساء حيث لا يستطيع الراعي إيصال البقرة إلى حد باب بيتنا، ويتطلب الأمر مني أن أخرج مسافة إلى رأس الشارع كي استلم بقرتنا من بين سائر البقرات، ثم أقودها عبر الزقاق الصغير المتعرج، وهي مهمة صعبة على طفل في السابعة من عمره وذي جسد ضئيل وقليل وهي بقرة جموح وعنيدة وشرسة، وكنت أعاني معها ولولا ضيق الشارع وتقارب الجدران وعدم وجود منافذ جانبية لولا ذلك لفرت البقرة مني ولا شك، وبينما كنت في عنت مع البقرة إذا بالشيخ يطل مبتسماً عليه المشلح وتفوح منه رائحة دهن العود، وهنا يأتي إلي ويمسك برقبة البقرة ويقودها معي وهو يمازحني إذ تغلبني بقرة، ويعود معي كل المسافة، وقد كان في طريقه إلى الجامع، ولكنه يعود معي إلى حد البيت، ويدفع بجسد البقرة إلى أن صارت في الداخل، ثم يطلقها وقد أخذ بيدي ووضعها على رقبة البقرة ثم يقول لي: قل لأهلك إنك أنت الذي أحضرت البقرة، وقد امتلأت عزة وفخاراً حينما راحت أمي تمتدحني ظناً منها أنني صادق حينما قلت لها إنني قد أحضرت البقرة بنفسي ورحت استعرض بطولاتي وقوتي مدعياً عنترية لم أكن أملكها، ولم أكتشف سر مساعدة الشيخ لي التي صارت موعداً يومياً لمدة زادت على شهر، وأنا مع الشيخ في لعبة مع البقرة، وكان سني أصغر من أن أدرك أن الشيخ السعدي هو واحد من أكبر علماء الأمة الإسلامية فقهاً وعقلية، ولكنه كان بالنسبة لي في تلك السن صديقاً وعماً ومصدر فرح لنا معه موعد كل مساء، أوله الحلوى وليست التفاحة آخره.

كان بعض أقراني مرة يلعبون الكورة، وكنا نسميها في ذلك الوقت (الطابة) ومر عليهم الشيخ وراح يلامس الكرة بقدمه معهم ويسألهم عن قواعد اللعب، ثم مد يده كعادته إلى جيبه وأخذ في توزيع الحلوى، ولم أكن معهم لحظتها، وجئت وقد فرغ الشيخ من مهمته المعهودة، وانصرف، لكنه بعد انصرافه التفت على غير عادة منه، إذ كنا نعرف أنه إذا سار لا يلتفت، لكنه التفت في تلك المرة ليراني ويقول لي أين أنت يا عبدالله.. لماذا لم تلعب معهم كورة، ومد يده وأعطاني نصيبي من الحلوى، وقد كنت أحسست بحسرة قبل ذلك على منظر أقراني يمضغون ويسيلون لعابي دون أمل من كرم أحدهم عليَّ، وقف الشيخ وأعطاني، ثم التفت إلى الجميع وقال: لو كنت في سنكم للعبت مثلكم ولكن أنا شايب يا عيالي، ثم انصرف ومشى، وبعد أن مضى قررنا يومها أن نذهب إلى الصلاة معه في الجامع ولم نكن نفعل ذلك من قبل، ولقد صارت تلك عادتنا كل مغرب حيث نسير خلفه ثم نراه يتقاصر في مشيته لكي نقترن مع مشيته، ويظل يلاطفنا ويتقبل منا كلامنا على سذاجة ما عندنا من كلام.

وكبرت لأعرف أن الشيخ كان أباً وصديقاً للجميع، وإن مرت سنون لا أعرف أن تلك الحمراء الغضة ذات الرائحة الزكية كانت تفاحة، فإن مزيداً من السنين والتعلم كشفت لي أن التفاحة رمز المعرفة. تلك هي هدية الشيخ، وفي المقال القادم مزيد حديث عن ذكريات طفل مع الشيخ عبدالرحمن السعدي - رحمه الله -.


جريدة الرياض - التاريخ: الجمعة 2003/06/13 م
رد مع اقتباس top
pbit_right.gif
Top
pbit_left.gif

مراقب مجلس عنيزة القديمة
 
هُـنا عنيزة غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: 04 2002
المشاركات: 160
شكرًا لك: 0
شـُكر 3 مرات عن 2 مشاركات
pbit_right.gif
pbit_left.gif
قديم 25-07-04, 05:27 PM   #4

منتدى الكتّاب> عبدالله محمد الغذامي

هدية الشيخ (2)


قرر الشيخ اعادة بناء المسجد الجامع بعنيزة، كان ذلك في حدود عام 1365(1945) وكان الامر يحتاج الى مال لانجاز العمل ووصل الخبر الى تجار عنيزة المهاجرين في الهند (بومبي) وفي البصرة وفي البحرين، وتلك كانت مراكز التجارة والرفاه في ذلك الحين وفيها من اهالي عنيزة بيوتات تجارية تقليدية تكونت عبر السنين، وقد حرصوا على نيل الثواب ببناء الجامع وراسلوا الشيخ من اجل ذلك، غير انه رد عليهم بأدب وفير شارحاً لهم انه يرغب ان يترك بناء الجامع لكل الناس ولا يخص به أحداً بعينه، وفتح الشيخ باب التبرع لبناء الجامع فكان يفرد رداءه في المسجد ويستقبل تبرعات الناس،
وتسامع الجميع بالخبر فكانت النساء تأتي بربع الريال وبنصف الريال، وكان الاطفال وكان الفلاحون والعمال، كل يأتي بما تيسر له من قطع مالية، وكانت العملات في ذلك الوقت كلها معدنية، ولذا فقد كان الرداء يمتلئ ويأتي رجال يساعدون الشيخ على تجميع المال وحمله الى غرفة في قبلة المسجد، وظل الرداء مفتوحاً لاستقبال التبرعات حتى تجمع مال وفير جاء من عرق الفقراء وكدح المساكين، واشترك اهل عنيزة كلهم في بناء المسجد، وأحس كل شخص ان له في كل سارية وفي كل ردهة وفي كل لبنة من لبنات الجامع، أحس ان له نسغاً من عرقه ونسغاً من حبه ومن فلذة روحه. وصار الجامع رمزاً للمحبة والخير تجمعت عليه القلوب.
هذا هو الشيخ عبدالرحمن السعدي، صديق الاطفال والفقراء والنساء والبسطاء، وهذا هو رمز حبه واحساسه.
تلك قصة قديمة سبقت ميلادي وقد سمعت الكل يتكلم عنها، ثم سمعت قصصاً أخرى منها أن الشيخ كان معزوماً مرة عند أحد الناس بعد صلاة العشاء وهي عادة تعودها كل ليلة إذ يمر مروراً خفيفاً على بيت او بيتين في الليلة يجلس جلسة خفيفة فيها حب ومؤاخاة ويشمل كل طالب لهذه الجلسة،
وله جلسة اخرى بعد الظهر يمر فيها على بيوت الناس حسب مواعيد يسجلها في دفتر في جيبه، وفي تلك الليلة المحددة أخطأ الشيخ في باب الدار حيث رأى باباً موارباً وظن انه باب صاحبه وقد استأذن بالدخول وجاءه صوت من الداخل يقول له: تفضل، وحينما دخل وجد شباباً قد تجمعوا يلعبون البلوت وبأيديهم السجاير، وكم كانت دهشتهم اذ رأوا الشيخ السعدي واقفاً على رؤوسهم وقد ظنوا أن الذي بالباب أحد أفراد شلتهم، ولقد هموا بالنهوض خوفاً ومفاجأة غير أن الشيخ أقسم عليهم ألا يتحركوا من جلستهم وذهب الى موقد الشاي، وصب لنفسه قهوة، وراح يمازحهم ويسألهم عن بيت صاحبه تاركاً في قلوبهم أنهاراً من الحب والسماحة تفوق كل أطنان العرق الذي تصبب من جباههم وجلودهم حرجاً وهيبة، ولكن الحب أكبر وبسمة وجه الشيخ أبقى.
ومرة جاء رجل كان يعمل في أرامكو على أول انشائها وكانوا يسمونها الجولوجية، جاء في اجازة قصيرة وأظهر لزملائه رغبته في السلام على الشيخ السعدي، غير ان زملاءه قرعوه على هذه الرغبة بما انه رجل معروف عنه الاستهتار وقلة الخير، وقالوا له لو رآك الشيخ فسيضيق منك، وانصاع الرجل لتقريع زملائه حتى تصادف يوماً ان كان يسير في الشارع فتلاقى مع الشيخ على غير ترتيب وهنا تقدم بالسلام ورد عليه الشيخ بحفاوة عميقة، وقال له ليتني رأيتك في وقت بعيد عن موعد الصلاة لكنت اذن دعوتك على القهوة معي، كان الشيخ يقول هذا في حين ان الرجل كان يسير مدبراً عن المسجد وكان الوقت وقت صلاة، وكان الشيخ ذاهباً الى الجامع، ولم يعترض الشيخ على الرجل ولم يكفهر في وجهه مع شيوع اسم الرجل بما انه لعاب ولا يصلي وكان مدبراً عن المسجد.
يقول من روى لي القصة ان تلك كانت سبباً في هداية الرجل واستقامته بقرار من ذاته وبتجاوب مع خطاب المحبة.

آخر ذكرياتي مع الشيخ كانت يوم وفاته، في عام 1376(1956) وكنت وقتها في السنة الرابعة الابتدائية ولم أزل وقتها أرى الشيخ صديقاً وعماً ولم أتبين بعد انه عالم عظيم الشأن في أرجاء العالم الاسلامي، كان بالنسبة لي وجهاً جميلاً ورجلاً سمحاً وودوداً وله في النفوس محبة وكان علامة على الطلعة البهية والنفس الكريمة.

وفي يوم وفاته كنت مع والدي في الجامع ثم في موكب الجنازة، كان جسمي صغيراً وضئيلاً ولذا انحشرت وسط جموع من البشر يسيرون بأقدام ثقيلة وبتراص محكم حتى لم أكن أجد طريقاً للهواء كي أتنفس من وسط الجموع، والموكب يسير من الجامع في وسط البلد متجهاً الى المقبرة على أطراف البلد، وبدا ان البشرية كلها قد تجمعت في ذلك الحشد، وكانت أصوات الناس مع الاسترجاع والتكبير والترحم تهدر في الجو كهدير الامواج وعلى طول الطرقات جلست النساء مستندات الى الجدران ولهن زفرات ونشيج مدلهم واختلطت الأصوات وأنا من تحت ذلك كله متشبثاً بيد والدي وقلبي يرجف على هذا الحشد وهذا الحزن وهذا الوجيب والكل يدمع والكل محمر الوجه، وفي لحظة ادلهم الجو بصوت يدوي في السماء، ورفع الكل أبصارهم ليروا طائرة تحلق في سماء عنيزة على غير عادة معهودة، وردد الناس الكلمات: هذه طائرة ارسلها سعود لتأخذ الشيخ للعلاج في الخارج.
تأخذ الشيخ..!!
وقعت الكلمة في نفسي موقع الصاعقة...
تأخذ الشيخ.. وهنا لم يكن من جواب، هاهو الشيخ في عنيزة في ترابها وبين يدي محبيه والدموع تزفه الى الرفيق الاعلى.
هنا النساء تبكي وتنتحب، ولكم رأينا الشيخ ونحن صغار وهو يقف بمحاذاة الجدار في الشارع كلما رأى امرأة تمر متأنية من قربه فيعلم انها تريد ان تستفتيه في أمر، فيقف ليعطيها الفرصة كي تقف في وقار وتسأل، وكم كان الكلام خافتا حتى اننا لم ننجح قط في استراق السمع لما يقال، على الرغم من كل محاولاتنا الطفولية الشقية.
لم تأخذ الشيخ الطائرة وبقي مع محبيه وظلت ذاكرته تتجدد وتنبعث في نفوس كل من رآه او سمع به، وقبل سنة كنت في الرباط في المغرب، واكتشفت ان كتب الشيخ السعدي وفتاويه وتفسيره للقرآن وكتابه عن اصول التفسير، كلها هناك وله محبون كثر ومريدون كثر، وهي رحلة الحب من المشرق الى المغرب، وليس للحب دار وليس للحب احتكار، تلك ذاكرة في المحبة صنعها شيخ كانت التقوى عنده في المحبة والتسامح.
ذاك هو عبدالرحمن السعدي.

جريدة الرياض - التاريخ: الخميس 2003/06/19 م
رد مع اقتباس top
pbit_right.gif
Top
pbit_left.gif

مراقب مجلس عنيزة القديمة
 
هُـنا عنيزة غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: 04 2002
المشاركات: 160
شكرًا لك: 0
شـُكر 3 مرات عن 2 مشاركات
pbit_right.gif
pbit_left.gif
قديم 25-07-07, 10:06 AM   #5
رد: .. الشيــخ .. مقالات عن الشيخ ( ابن سعدي ) رحمه الله

الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لفضيلة الدكتور عبد الرحمن العدوي *
* مستشار الجامعة الإسلامية


شيخ جليل مهيب، أخلص للّه في تعليم المسلمين أمور دينهم، ونشر عقيدة الإسلام وأحكامه بينهم، وهو من أهالي بلدة عنيزة من أعمال القصيم في شمال نجد عاش فيها حياته وكان فيها مقره الأخير.

كنا في عام 1373هـ الموافق 1953م اثنين من علماء الأزهر الشريف مبعوثين للتدريس في المملكة العربية السعودية وكانت إدارة المعارف حينذاك في مكة في مواجهة المسجد الحرام وكان على رئاستها الشيخ محمد بن مانع رحمه اللّه، وقد رأى أن أسافر مع زميلي الشيخ محمد الجبة للتدريس في المدرسة الثانوية بعنيزة، وسافرنا وبدأنا عملنا في المدرسة التي كان بها فصلان في السنة الأولى فقط، ولم يمض شهر حتى صدر الأمر الملكي بنقلنا إلى المعاهد العلمية التابعة لآل الشيخ.

وكانت هذه هي الطريقة التي تستكمل بها المعاهد العلمية حاجتها من المدرسين، ولم يكن المعهد العلمي موجوداً بعد، فطلب منا أن نعلن عن افتتاحه ونستقبل طلبات الراغبين في الإلتحاق به ونحدد مستواهم العلمي ونوزعهم على السنوات الدراسية وقد تم كل ذلك في فترة وجيزة وبدأت الدراسـة في المعهد العلمي بعنيزة في شهر ربيع الثاني من عام 1373هـ، وفي الوقت بلغنا أن الشيخ عبد الرحمن السعدي قد عين مشرفاً على المعهد من الناحية العلمية وكان تعيينه براتب شهري قدره ألف ريال، ولكن الشيخ رحمه الله تعالى أرسل إلى رئاسة المعاهد العلمية أنه على استعداد للإشراف على المعهد حسبة لوجه الله تعالى وأنه لا يريد أن يكون له على ذلك أجر مادي وقبلت الرئاسة شاكرة له هذا الصنيع الذي لا يصدر إلا من عالم زاهد يبتغي وجه الله.

وبدأت صلتنا بالشيخ عبد الرحمن السعدي في المعهد أولاً ثم التقينا به كثيراً في المسجد الجامع فقد كان شيخاً له، وفي منزله المتواضع الذي رفع قدره وأعلى صرحه سلوك صاحبه وسيرته في الناس.

كان رحمه الله يأتي إلى المعهد بانتظام يوم الثلاثاء من كل أسبوع وكان يخلع نعليه عند دخول الفصل أثناء الدرس مع أن في نجد لا يخلعون نعالهم عند دخول المسجد ولا عند الصلاة ولكنه الأدب الراقي واحترام العلم ومجلسه، ثم يدخل آخر صف ويجلس فيه وكأنه أحد طلاب هذا الفصل، ويكرر هذا العمل في أكثر من فصل ويستمع إلى أكثر من مدرس ولم يكن في المعهد من المدرسين المصريين سواي وزميلي أما بقية المدرسين فكانوا من أبناء الشيخ علمهم في المسجد الجامع إلى درجة تسمح لهم بالقيام بتدريس المواد التي تعلموها على يديه.

وكان منهم حمد البسام، وسليمان البسام، وعبد الله البربكان، ومحمد بن عثيمين. ومضت فترة بعد وصولنا عنيزة أحسسنا فيها بالغربة والوحشة وكنا نتأثر بجفاء بعض الناس في التعامل واللقاء وعدم رد التحية لا بأحسن منها ولا بمثلها، وكان يحدث أحياناً ونحن وقوف للصلاة أن يأتي أحد البدو ولعله من غير أهل عنيزة فيقف بجوار أحدنا وينظر إليه نظرة استغراب ثم يخط بعصاه خطاً فاصلاً في الرمال يفصل بينه وبين من يجاوره منا ثم يقول بصوت مسموع ( أعوذ بالله ) وبعدها يكبر للصلاة وقال لي صاحبي: لماذا يتعوذ هؤلاء؟ فقلت لعلهم يعتقدون أننا لسنا من بلاد الإسلام، وما علينا إلا أن نزيل هذا الظن الخاطئ فتقسيم الأمور وتصح المعاملة، قال: ولكن كيف السبيل إلى ذلك ونحن مدرسون في المعهد لطلاب قد يتحدثون مع ذويهم عنا وقد لا يتحدثون؟ قلت: السبيل في رأيي أن نعطي الناس دروساً في التفسير والحديث والفقه بين المغرب والعشاء في المسجد الذي نصلي فيه، وبها نؤدي واجبنا ونزيل التباساً.

وعرضنا الفكرة على الشيخ عبد الرحمن السعدي فاستحسن ذلك أيما استحسان وشجعنا وأوصانا بألا تضيق صدورنا فإن من خلق العلماء الصبر والإحتمال والحرص على تبليغ رسالة الله في كل الظروف وبدأنا التدريس في مسجد ( السويطي ) بين المغرب والعشاء وزاد عدد الحاضرين يوماً بعد يوم حتى كاد المسجد على سعته أن تملئ بالمصلين، وبعد أسبوعين تقريباً حدث أمر شرح صدورنا وأحسسنا معه بالود والمحبة، فقد تقدم إلينا شيخ كبير وأشار بيده إلى سجادتين مفروشتين خلف الإمام وقال: هذا مكان صلاتكما فأنتم أهل العلم والفضل وعلينا أن نكرم العلماء، وكان لهذه اللفتة أثرها الطيب الحميد فقد أحسسنا صفاء قلوب القوم وزالت العوارض التي كانت تؤثر تأثيراً متعباً فما كانت إلا تصرفاً شخصياً من بعض الجهال لا يعبر عن السلوك العام، ثم زادت الصلة بيننا وبين الناس وتوثقت فدعينا إلى شرب القهوة بالعبارة النجدية الحلوة " نبغى نقاهويك يا أستاذ " وتكرر ذلك والموعد بعد صلاة العشاء الآخرة وكان معنا في المعهد سكرتير من أهل عنيزة اسمه (عبد الله) فكان يتولى تدوين المواعيد ويرشدنا إلى منازل، وفي كل ليلة نجد صاحب المنزل قد دعا أكثر من عشرين شخصاً مبالغة منه في الإحتفاء بنا ثم يدور الحديث حول مسائل من الدين والأخلاق وعادات الناس وتصير الجلسة ندوة علم وأدب وحديث نافع وتعبير عن المحبة والود والأخوة كما ارتضاها الله لعباده المؤمنين.

وكنا نزور الشيخ بين الحين والحين ويكاد يكون لقاؤنا معه يوم الجمعة بانتظام نذهب إلى بيته قبل الصلاة بساعات ونجلس معه ثم ننزل معاً عندما تقرب موعد الصلاة، وذات لقاء قلت له: يا فضيلة الشيخ، لماذا لا تستخدم مكبر الصوت ( الميكروفون ) في الخطبة فإن أكثر الناس لا يسمعون صوتك ولا يستفيدون مما تلقيه عليهم من المواعظ والأحكام، فابتسم الشيخ وكان له بسمة خفيفة جميلة تنم عن الرضا والسرور وقال: إن مكبر الصوت لم يدخل المساجد في بلاد نجد ولا أحب أن أكون أول من يستخدمه. قلت: ولماذا؟ ألست الشيخ العلم القدوة إذا لم تفعل أنت ما تراه نافعاً فمن يفعله؟ أليس في استعماله خير وهو نشر تعاليم الدين وآدابه وإسماع أكبر عدد ممكن بواسطته، والنساء في بيوتهن حول المسجد يستمعن الخطبة عن طريق مكبر الصوت فيكون الخير قد تجاوز حدود المسجد، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ذلك لأنه سيتعرض لجهل الجاهلين، ونقد الناقدين وسيصيبه من أقوال الناس وإيذائهم واستنكارهم لما لم يألفوه شيء كثير فيكون له من أجل ذلك الأجر الكثير، ثم إنك يا فضيلة الشيخ إذا لم تستخدم مكبر الصوت في خطبة الجمعة فلن يجرؤ أحد على استخدامه من بعدك، وسيقول الناس: لو كان فيه خير لاستقدمه الشيخ السعدي، فتكون قد منعت استخدامه مستقبلاً من حيث لا تدري ولا تريد. فاتسعت الإبتسامة على شفتي الشيخ وقد استمع لكلامي كله مصغياً ومتأملاً، وهز رأسه يميناً وشمالاً في هدوء رتيب وقال: ما شاء الله لقد حدثني في ذلك غيرك، وما شرح الله صدري لذلك مثل ما شرحه الآن، وأعدك أن يكون في المسجد ( مكبر صوت ) في الجمعة القادمة إن شاء الله وبر الشيخ بوعده وأمر بإحضار مكبر للصوت ذي ثلاث سماعات يعمل بواسطة البطارية فلم تكن عنيزة قد عرفت الكهرباء بعد وفرح الناس وتحدثوا عن استماعهم للخطبة في غير جهد، وحرصت على أن أسمع رأيهم فلم أجد معارضاً وما سمعت إلا كلمات الإستحسان والسرور، وذهبت إلى الشيخ في بيته لأنقل إليه استحسان الناس وسرورهم فإذا به ينقل إلى بشرى سارة مؤداها أن الشيخ عبد الله السليمان كان يصلي هذه الجمعة في مسجد عنيزة وقد أعجبه أن يكون في المسجد مكبر للصوت فقابل الشيخ بعد الصلاة وأبلغه أنه تبرع.. بماكينة كهرباء للمسجد تضئ خمسين لمبة ( مصباحاً كهربائياً ) ويشتغل عليها مكبر الصوت. فقلت: الحمد لله. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

لقد كان الشيخ عبد الرحمن السعدي من الناحية الدينية هو كل شيء في عنيزة فقد كان العالم والمعلم والإمام والخطيب والمفتي والواعظ والقاضي وصاحب مدرسة دينية له فيها تلاميذ منتظمون.

كان يصلي الفجر بالناس ثم يجلس لأداء الدرس حتى تطلع الشمس ويذهب بعد ذلك إلى بيته حتى الضحوة الكبرى فيعود إلى المسجد يعلم أبناه الفقه والتفسير والحديث والعقيدة والنحو والصرف في دروس منتظمة وكتب اختارها لطلابه ويستمر معهم حتى صلاة الظهر فيصلي بالناس ويعود إلى بيته يستريح فيه إلى صلاة العصر ثم يذهب إلى المسجد فيصلي العصر بالناس ويعطيهم عقب الصلاة وهم جلوس بعض الأحكام الفقهية في دقائق لا تؤخرهم عن الإنصراف سعياً وراء أرزاقهم وعندما تغرب الشمس يصلي بالناس المغرب ويجلس للدرس حتى يصلي العشاء. ويتكرر ذلك في كل يوم.

وطلاب الشيخ الذين علمهم في المسجد هم الذين تولوا التدريس في المدارس والمعاهد التي فتحتها الدولة في بلدتهم، فكان الشيخ يكتب بيده شهادة يقول فيها إن فلاناً درس علوم كذا وكذا في كتب كذا وكذا وهو يصلح لتدريس هذه المواد في المستوى الإبتدائي أو الإعدادي أو الثانوي، وتأخذ الدولة بشهادات الشيخ التي أثبتت التجربة فيما بعد أنها معبرة عن الحقيقة أصدق تعبير.

وكان من سيرته - عليه رحمة الله - أنه في موسم الحصاد تأتي إليه ثمار النخيل والبساتين التي وقفها أصحابها على المسجد الجامع ليؤدي رسالته الإسلامية العظيمة، فكان الشيخ يجمع كل هذه الثمار في المسجد ويوزعها على الفقراء والمساكين ولا يأخذ تمرة واحدة يدخلها فاه أو ينقلها إلى بيته. وسألت أحد الأبناء المقربين إليه: من أين ينفق الشيخ على حاجات معيشته؟ فأخبرني أن له ابنين يعملان بالتجارة في الرياض ويرسلان إليه ما يحتاج من النفقة ولا مورد له غير هذا ؟ فقلت: سبحان الله: إن خير ما يأكل المرء ما كان من كسب يده، وإن ولد الإنسان من كسبه، وهكذا تكون سيرة العلماء في الإكتفاء بالقليل والزهد فيما يزيد على ذلك مع الإجتهاد في أداء الواجب والإخلاص فيه.

ومرت الأيام.. وفي نهاية عام 1375هـ الموافق 1956م بدأ العدوان الثلاثي على مصر وهاجمت فرنسا وإنجلترا وإسرائيل أرض مصر ولكل دولة منهم دوافعها الخاصة فقد كانت فرنسا تريد أن تعاقب مصر على مساندة ثورة الجزائر ضدها. هذه المساندة التي وصلت إلى درجة تهريب الأسلحة والذخائر للثوار المسلمين في الجزائر وقد وقعت الباخرة ( عايدة ) المصرية في يد الفرنسيين وهي تحمل الأسلحة إلى ثوار الجزائر ضد الإستعمار الفرنسي فأضمرت لذلك شراً وكان هجومها على مصر، أما إنجلترا فكان هجومها من أجل أسهمها في قناة السويس التي أممتها مصر وأعادتها إلى الشعب المصري الذي حفر القناة بجهود أبنائه ودمائهم، وكانت مع ذلك تراودها الرغبة في إعادة سيطرتها مرة أخرى على مصر ولم يكن جلاء قواتها عن الأراضي المصرية قد جاوز العامين بعد، وانتهزت إسرائيل رغبة الدولتين الكبيرتين في الهجوم على مصر واتفقت معهما لخدمة أغراضها التوسعية العدوانية ولضرب القوة العربية الإسلامية على أرض مصر.

وعرف الشيخ السعدي هذه الأبعاد كلها وخطب الناس الجمعة في هذا الموضوع ورفع الناس معه أكف الضراعة إلى الله أن يحمي القوة الإسلامية وأن ينصر المسلمين ويرد كيد الكافرين، وقد استجاب الله دعاء، فخطب الشيخ في جمعة تالية مهنئاً ومبشراً ومذكراً بقول الله تعالى:{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}.

وقد كان للشيخ اهتمامات ظاهرة بأحوال المسلمين في كل بلادهم وكانت مقالاته في الصحف والمجلات في داخل المملكة وخارجها تظهر هذه الإهتمامات وكان يسألنا كثيراً عن أخبار مصر وأحوال المسلمين فيها وجهود علمائها في إقامة السنة وإزالة البدعة مع دعاء حار وأمل كبير في أن يصلح الله أحوال المسلمين.

ومع هذه الجهود المضنية التي كان يبذلها الشيخ كان كثير الكتابة والتأليف فقد كتب تفسيراً للقرآن الكريم كله سماه ( منحة اللطيف المنان في تفسير القرآن ) وله كتاب في الخطب المنبرية ورسائل في العقيدة وسؤال وجواب وفي بعض الموضوعات والقضايا الإسلامية وقد تبرع بكتبه كلها وطبعها أهل الخير المحبون للشيخ وعلمه ووزعوها بالمجان على أهل العلم وطلبته.

وفي شهر ربيع الثاني من عام 1376هـ توفي الشيخ عبد الرحمن السعدي عليه رحمة الله ورضوانه وحملت مع الناس نعشه وكا