|
الحاميات العثمانية في " نجد" ، والحياد في الكتابة التاريخية
الحاميات العثمانية في "" نجد "" وكتابة تاريخ نجد:
هل هي محايدة أم لا ؟؟؟
سأل الأخ الكريم "" أبو سليمان "" عن تواجد الحاميات العثمانية في نجد - على خلفية التعقيبات حول موضوع " حرب السوقين " الموجود في هذا المنتدى، وكرر سؤاله بإلحاح وتعطش لإجابة لم يجدها أو لم يشف غليله ما أجبت به سابقاً.
أعجبني فيه هذا الإلحاح الذي وضح لي سؤاله وماذا يريد بالضبط.
السؤال في الحقيقة ليس عن " الحاميات العثمانية في نجد " بالذات، وإنما هي " نموذج " لما يريد أبو سليمان التأكد منه في طريقة كتابة التاريخ وهل هناك كتابة محايدة أم لا؟؟ واستخدم هذا النموذج في الإلتباس الحاصل للمتلقي أو القارىء لماهو مكتوب، فبعض مناطق نجد كان فيها تواجد واضح ومركز للعثمانيين بينما مناطق أخرى لم يكن فيها أي تواجد حسب المعلومات المتوفرة، فهو يتساءل مالحقيقة؟
إجابتي من ناحيتين:
الأولى:
أقول باختصار: نعم التواجد العثماني " في نجد " قبل تهديد الدولة السعودية الأولى لمكانة العثمانيين في الحجاز كان " رمزياً" فقط يعني كأنه غير موجود، طالما يظهر الناس الولاء العام للسلطان العثماني، بينما يدير الأمراء المحليون في البلدات والقرى وزعماء القبائل البدوية شئونهم كمايريدون، ما دام الوضع في الداخل فقط.
بعد القضاء على تهديد الدولة السعودية الأولى وإنهاء وجودها – حسب الأحداث المعروفة – أصبح التواجد العثماني – والمصري في الفترات الأولى - كثيفاً وواضحاً " في مراكز الخطر" في نجد وليس بالضرورة في " كل بلدة أو منطقة " فالدرعية والرياض وبعض بلدان العارض مثل ضرما وأثيثية وفي الوشم شقرا، وفي القصيم معظم بلدانه وبالذات عنيزة والرس، الخ.
ثم ضعف هذا التواجد - أو انعدم إلى حد كبير - حينما قويت شوكة الدولة السعودية الثانية وعلى الأخص في عهد الإمام فيصل بن تركي أقوى حكامها.
عاد هذا التواجد العثماني قوياً مرة أخرى في فترة صراع أبناء فيصل وانهيار الدولة السعودية الثانية وانقسام المنطقة بين آل رشيد وآل سعود والمناطق التي لديها استقلال ذاتي إلى حد كبير في ذلك الوقت مثل بريدة وعنيزة.
ثم انتهى الوجود العثماني بالشكل الذي ذكرته في تعقيباتي السابقة التي أشرت إليها، في عهد الملك عبد العزيز – بداية الدولة السعودية الثالثة-.
الخلاصة أن التواجد العثماني في نجد ليس له وتيرة واحدة، وليست نجد بذاك الأهمية للعثمانيين مثل الحجاز واليمن والشام والعراق ومصر، فهي قاحلة وليس فيها مراكز حضرية مهمة وجرداء وموحشة صعبة الاختراق بالنسبة لوسائل النقل في ذلك العصر وليس فيها كثافة سكانية لها إسهام أو إنتاج حضاري أو إقتصادي أو زراعي يغري بالسيطرة المباشرة.
حتى الحجاز أهميته "" دينية بحتة "" ، وإلا فهو مثل نجد في الأشياء الأخرى.
الناحية الثانية:
وهي المهمة في تساؤلك:
في بالك وأنت تتساءل " التاريخ السياسي والحربي فقط " وهذان الجانبان مجال لأساليب متعددة في الكتابة التاريخية ولم يكن ولن يكون فيهما حياد مائة في المائة، ليس لأن الرواة وكتاب التاريخ في هذا المجال " يقصدون " دائماً عن عمد وإصرار أن يحرفوا الحقائق ويخفوا بعضاً منها الخ ما يدور في أذهان الناس.
ولكن لأن المعلومات الحقيقية لا تتوافر أحياناً، ويختلف الرواة في طريقة نقلها ويزيدون وينقصون أحياناً أخرى لأهداف كثيرة كما قيل " وما آفة الأخبار إلا رواتها ". ثم لا ننسى عامل الزمن والنسيان وبعد المسافات وووو...... الخ من عوامل تعتري نقل وكتابة الأخبار سواء من المنتصرين أو المنهزمين في جميع الأمم، وهذا موضوع في "" فلسفة الكتابة التاريخية ومصداقيتها "" يطول شرحه.
وبناءً عليه لا أستطيع إجابة لطلبك ذكر كتاب محدد في التاريخ السياسي والحربي العسكري محايد تماماً في ذلك، لن تجد ياسيدي لا في الداخل ولا في الخارج بهذا التصنيف المثالي الخيالي، وإنما تحاول الوصول إلى ما تريد عن طريق مقارنة الروايات والتدقيق والتمحيص فيها ولا تقبل كل شيء على علاته الخ وسائل التحقق التي "" تقربك "" جداً من صحة ماتقرأ أو عدمه.
أما الجوانب الأخرى في التاريخ الحضاري وهي : " التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والفكري العلمي وغيرها" من جوانب تكون درجة الحساسيات فيها أقل وهي - بالمناسبة الجوانب التي تهمني أكثر في أبحاثي - فهذه مساحة " الحياد " فيها أكبر وأوسع وتجد فيها الكثير من المعلومات عن الناس والشعوب وأحوالها.
إقرأ عن نجد في المائتي سنة الماضية في جميع أبواب التاريخ لبعض المصادر المحلية، وللرحالة الأجانب بصفة خاصة لأنهم كتبوا الكثير واهتموا بأشياء وتفاصيل عن حياة الناس العاديين لا يهتم بها المؤرخون المحليون في العادة إلا ماندر – مع أن لكل أخطاءه وأغراضه – ستجد تفاصيل كثيرة صحيحة أو قريبة من الصحة لأنهم كانوا يكتبون مذكراتهم اليومية عن كل شيء. في عنيزة مثلاً كان جورماني وداوتي وهوبر وفلبي يكتبون في المساء أو اليوم التالي كل ما مرعليهم وما شاهدوه في اليوم الذي مضى، وهكذا غيرهم في كل منطقة.
لعلي فيما بعد أذكر أسماء بعض هذه الكتب وإن كانت موجودة بشكل متناثر في هذا المنتدى حسب الوضوعات التي تطرقت لها وتطرق لها غيري في الماضي خلال سنة ونصف تقريباً.
الكلام هنا يطول ولكن لعل في هذا بعض الإجابة وإثراء للموضوع الذي يشكر جداً الأخ " أبو سليمان " على إثارته، وربما أضيف نقاطاً أخرى حسب ما يأتي من تعقيبات لاحقة من الجميع إن شاء الله.،
تحياتي الأخوية للجميع، عبد العزيز صالح الشبل- الخبر
|