*
**
.. أخي .. روح .. أختي ريمية ..إسمحو لي بالمشاركة هنا .. والتجوال معكم ومع الأحبة في حدائق الشعر العربي ..
.. سأكتب عن أحد الشعراء الذين تركوا بصمة واضحه في عالم الشعر ..
عبد الوهاب البياتي شاعرٌ مؤسسٌ في حركة شعرنا المعاصر أسهم، منذُ بواكير انطلاقةِ ما يعرف بـ (الحداثة الشعرية) اليوم، في فتح النصّ الشعري على آفاق أوسع مدًى وأكثر احتواءً لمضامين الفكر والتراث والأسطورة. أصدر عام 1950 ديوانه الأول (ملائكة وشياطين). تَبِعَهُ عام 1954 بـ (أباريقَ مهشمة) الذي وسم حضوره الشعري وفرض اسمه كشاعر متميز، بين الروّاد الأوائل الذين خرجوا على (الشعر العمودي) وكتبوا ما عُرف فيما بعد بـ (الشعر الحر). وترك عبد الوهاب البياتي في حاضرتنا الشعرية ألوان منافيه ورموز التُراث والأساطير فاتحًا القصيدة العربية الحديثة على ألوان وأصقاع لم تَعرفها من قبل.
تَنقَّل بين موسكو حيث أقام بين عامي 1959 و 1964، وإسبانيا حيث عمل في المركز الثقافي العراقي في مدريد في سنوات الثمانينات، مُرورًا بالقاهرة والرباط وعمّان والعديد من العواصم العربية، عاد خلالها فترة وجيزة إلى بغداد، ثم استقرَّ في الأشهر الأخيرة من حياته في دمشق، ليموت فيها ويُدفن حسب وصيته في ضريح الشيخ مُحيي الدين بن عربي، وذلك في 3 آب / أغسطس 1999.
يمتاز شعر عبد الوهاب البياتي بنزوعه نحو عالمية معاصرة مُتأنية من حياته الموزعة في عواصم مُتعددة وعلاقاته الواسعة مع أدباء وشعراء العالم الكبار، مثل الشاعر التركي ناظم حكمت والشاعر الإسباني رفائيل ألبرتي والشاعر الروسي يفتشنكو، وكذلك بامتزاجه مع التُراث والرموز الصوفية والأسطورية التي شكلت إحدى الملامح الأهمّ في حضوره الشعري وحداثته.
إسمحوا لي بإرداف هذه الرائعة .. لـ.. عبدالوهاب البياتي
48ـ قمر شيراز
من ديوان (قمر شيراز)
( 1 )
أجرح قلبي, أسقي من دمه شعري, تتألَّق جوهرة في قاع النهر
الإِنساني, تطير فراشات حمر, تولد من شعري, امرأة حاملة قمرًا
شيرازيّا في سنبلةٍ من ذهب مضفورًا, يتوهج في عينيها عسل الغابات
وحزن النار الأبدية, تنبت أجنحة في الليل لها, فتطير, لتوقظ شمسًا
نائمة في حبات العرق المتلألئ فوق جبين العاشق, في حزن الألوان
المخبوءة في اللوحات: امرأة حاملة قمرًا شيرازيًّا, في الليل تطير
تحاصر نومي, تجرح قلبي, تسقي من دمه شعري, أتعبد فيها: فأرى
مدنًا غارقة في قاع النهر النابع من عينيها, يتوهج سحر عسليٌّ يقتل
مَنْ يدنو أو يرنو أو يسبح ضد التيار. أرى كل نساء العالم في واحدة
تولد من شعري. أتملَّكها, أسكن فيها, أعبدها; أصرخ في وجه الليل
ولكن جناحي يتكسر فوق الألوان المخبوءة في اللوحاتْ
( 2 )
مجنونًا بالنهر النابع من عينيها
بالعسل الناريِّ المتوهج في نهر النار
أسبح ضد التيار.
( 3 )
أكتب تاريخ الأنهار
أبدؤه بطيور الحبِّ وبالنهر الذهبيِّ الأشجار.
( 4 )
بدمي يغتسل العشاق
وبشعري يبني الغرباء
في المنفى (شيراز).
( 5 )
أتملكها, أسكن فيها
أعبدها
أرسم في ريشتها مدنًا فاضلة يتعبد فيها الشعراء.
( 6 )
مجنونًا بالنهر النابع من عينيها
بالسيل الجامح والفيضان
باللهب المفترس الجوعان
أسبح من غير وصول للشاطئ, أغرق سكرانْ.
( 7 )
أُفرد أجنحتى وأطير إليها في منتصف الليل, أراها نائمة تحلم بالقمر
الشيرازيِّ الأخضر فوق البوَّابات الحجرية يبكي, يتدلَّى من أغصان
حديقتها ويظلُّ وحيدًا يتعبد فيها ما كان يكون حياتي كانت في
الأرض غيابًا وحضورًا تملؤه الوحشة والترحال وأشباح الموتى. كوني
أيتها المشربة الوجنة بالتوت الأحمر والورد الجبلي الأبيض. زادي في
هذي الرحلة كوني آخر منفى وطن, أعبده, أسكن فيه وأموتْ