أبوالطيب المتنبي (303 ـ 354هـ) غني عن التعريف , فهو مالئ الدنيا وشاغل الناس
أعظم شعراء العربية عبر العصور بلا تحفظ .. قيل فيه الكثير , وكُتب عنه الكثير
وسيقال ويُكتب عنه الكثير .. والحديث فيه وفي شعره لا يُمل ولا ينتهي
وقد حظي باهتمام الأدباء والنقاد عبر التاريخ ..
وفيما يلي حديث عن قصيدته الميمية في رثاء جدته .. وتفسير لذلك الفخر وتعاظم
الملوك الذي ورد فيها .. وإذا عُرف السبب بطل العجب كما يقال .
إن المسألة ـ كما يفسرها المرحوم الأستاذ محمود شاكر ـ تعود في أساسها إلى قضية نسبه
فأبوه الحسين ليس ـ كما قيل ـ سقّاءً يسقي الناس على جمل له بالكوفة , وأنه كان يُلقّب
(عيدان السقّاء) , بل هو علوي شريف النسب , والعلويون سادة الكوفة وكبراؤها
قال الأستاذ شاكر في توضيح هذا الزعم ما يلي :
تزوج رجل من العلويين , ولا جرم أنه من كبارهم , بنت جدة المتنبي , فحملت منه
ووضعت أحمد بن الحسين (وهذا الحسين غير عيدان السقّاء) , ولأمر ما أريد هذا الرجل
العلوي على طلاق امرأته وفراقها , وحمله العلويون على ذلك , ففارقها وطلقها
فرجعت إلى أمها بجنينها أو طفلها , وحزنت حزنا أهلكها , فاستلها الموت وذهب بها
وبقي الطفل فكفلته جدته , وتعهدته , وقامت بأمره , حتى بلغ مبلغ الفتيان , ودلته على
الطريق بعد أن صرّحت له بحقيقة أمره , وصحيح نسبه , وأخذت عليه المواثيق والعهود
بحبها له وحبه لها , وأنه إن فعل كان في ذلك هلاكها وهلاكه , فبقي على ذلك متململا حتى
كان من أمره ما كان من ادعائه العلوية بالشام , فقُبض عليه , فاضطر إلى الإخلاد والتسليم
وحرص على أن يُطيع أمر جدته , بعد ان علم حزمها , وصواب رأيها , وإخلاصها له
المشورة , ومحضها له النصيحة . وهذا الوضع هو الذي يُفسر لك طول تكتّم المتنبي على نسبه
وإخفائه جهده من أصحاب الألسنة المتنقلة بين الرجال , ويُفسر مخرج قصة (أبيه السقاء)
وحرصهم على حبكها , والتقديم لها بلطيف القول , وحسن العبارة .. ويفسر كذلك دخوله
كُتّاب أشراف العلويين عندما كان صغيرا , وتعلمه دروس العلوية .. ويُبين أيضا عن السبب
الذي من أجله سكت المتنبي عن مدح العلويين وعظمائهم وأصحاب الجاه والسلطان منهم
وهو بالكوفة .. وما كان من إرصاد العلويين له عبيدهم لقتله في كفر عاقب .
وبناء على ما سبق يفسر الأستاذ محمود شاكر هذا النص الذي جاء في مقدمة رثائه لجدته :
(ورد على أبي الطيب كتاب من جدته لأمه تشكو شوقها إليه , وطول غيبته عنها , فتوجّه
نحو العراق ولم يُمكنه دخول الكوفة على حالته تلك , فانحدر إلى بغداد , وكانت جدته
قد يئست منه , فكتب إليها كتابا يسألها المسير إليه , فقبّلت كتابه , وحُمّت لوقتها سرورا به
وغلب الفرح على قلبها فقتلها)
فقال : وتأويل هذه العبارة كلها : أنه حين ورد عليه كتاب جدته أزمع الرحيل
من الشام إلى الكوفة ليلقى بها جدته , فبلغ الخبر مشيخة العلويين , فذهب بعضهم إلى جدته
وأبانوا لها سوء رأيها , ونهوها أن يكون لقاء ولدها من همها , وأخبروها أنهم قد اجمعوا
رأيهم على منعه من دخول الكوفة بعد ما كان من أمره بالشام , من إظهار العلوية
ورغبته في تحقيق نسبه إلى العلويين . فلما فجئهم الخبر بورود صاحبهم "المتنبي" على
طرف الكوفة , خرجوا إليه وأنذروه أن يكون ذلك من إراته بعد فضوله في الشام
وأمروه بالانحدار إلى بغداد , ورجعوا إلى جدته فأيأسوها من لقائه بتّا .فلما استقرت
بالمتنبي بغداد , وزاد شوقه إلى جدته , وبكى من خيفته عليها , حمله ذلك على الكتابة إليها
بعد أن لم يجد من ذلك محيصا في نفسه , فكتب إليها كتابا يسألها المسير إليه ببغداد
ففرحت العجوز فرح اليائس من أمر , ثم أتته البشرى بالظفر من وجه آخر , فاشتد ذلك عليها
واستبدت العواطف المعتلجة المتنازعة المتضادة بذلك البنيان المهدّم الضعيف , فانقضّ بعضه
على بعض , فماتت رحمة الله عليها , وأثابها بما صبرت ..
وهذه هي القصيدة الخالدة التي رثى بها جدته رثاء خالطه الفخر والعزة والوعيد :
ألا لا أُري الأحداثَ حمْدًا ولا ذمَّا=فما بطشُها جهلا ولا كفُّها حِلما
إلى مثل ما كان الفتى مرجعُ الفتى=يعود كما أُبدي ويُكْري كما أرمى
لك الله من مفجوعة بحبيبها=قتيلةِ شوقٍ غيرِ ملحقها وصْما
أحنُّ إلى الكأس التي شربت بها=وأهوى لمثواها التراب وما ضمّا
بكيت عليها خيفةً في حياتها=وذاق كلانا ثكلَ صاحبِه قِدْما
ولو قتل الهجر المحبين كلهم= مضى بلد باقٍ أجدَّت له صرما
منافعها ما ضر في نفع غيرها=تغذّى وتروى أن تجوع وأن تظما
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا=فلما دهتني لم تزدني بها علما
أتاها كتابي بعد يأس وترحة=فماتت سرورا بي فمتُّ بها همَّا
حرامٌ على قلبي السرورُ فإنني=أعدُّ الذي ماتت به بعدها سُمّا
تعجّبُ من خطِّي ولفظي كأنها=ترى بحروف السطر أغربةً عُصما
وتلثُمه حتى أصار مدادُه=محاجرَ عينيها وأنيابَها سُحما
رقا دمعُها الجاري وجفّت جفونُها=وفارق حبي قلبَها بعد ما أدمى
ولم يُسْلِها إلا المنايا وإنما=أشدُّ من السُّقم الذي أذهب السقما
طلبت لها حظا ففاتت وفاتني=وقد رضيتْ بي لو رضيتُ بها قَسما
فأصبحت أستسقي الغمامَ لقبرها=وقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصُّمّا
وكنت قبيل الموت أستعظم النوى=فقد صارت الصغرى التي كانت العظمى
هبيني أخذت الثأرَ فيك من العدا=فكيف بأخذ الثأر فيك من الحمّى
وما انسدّت الدنيا علي لضيقها=ولكن طرفا لا أراك به أعمى
فوا أسفا أن لا أُكبّ مقبّلا=لرأسِك والصدرِ اللذي مُلئا حزما
وألا ألاقي روحَك الطيِّبَ الذي=كأن ذكيَّ المسكِ كان له جسما
ولو لم تكوني بنتَ أكرمِ والدٍ=لكان أباك الضخمَ كونُك لي أمَّا
لئن لذَّ يوم الشامتين بيومها=فقد ولدتْ مني لأنْفِهِمِ رَغْما
تغرّب لا مُستعظمًا غير نفسه=ولا قابلا إلا لخالقه حُكما
ولا سالكا إلا فؤاد عجاجةٍ=ولا واجدا إلا لمَكرُمَةٍ طعما
يقولون لي : ما أنت في كل بلدة؟=وما تبتغي؟ ما أبتغي جلّ أن يُسمى
كأن بَنيهم عالمون بأنني=جلوبٌ إليهم من معادنِه اليُتما
وما الجمع بين الماء والنار في يدي=بأصعبَ من أن أجمع الجِدَّ والفهما
ولكنني مستنصرٌ بذبابِه=ومرتكبٌ في كل حال به الغشما
وجاعلُه يوم اللقاء تحيتي=وإلا فلست السيِّدَ البطلَ القرما
إذا فلّ عزمي عن مدى خوفُ بعده=فأبعدُ شيءٍ ممكنٌ لم يجد عزما
وإني لمن قوم كأن نفوسهم=بها أنَفٌ أن تسكن اللحم والعظما
كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبي=ويا نفس زيدي في كرائهها قدما
فلا عبَرتْ بي ساعةٌ لا تُعزُّني=ولا صحبتْني مهجةٌ تقبلُ الظُّلما