كتب روح التميمي :
توفي أمير حائل
طلال العبدالله الرشيد سنة 1283هـ , وفي وفاته روايات مختلفة
أرجحها أنه مات منتحرًا برصاصة أطلقها على نفسه .
وإلى هذا يشير قول القاضي في البيت الثاني عشر من القصيدة التالية :
يوم استتمت له وجت له على الهوى= جرى من سبب كفه على نفسه إتلافي
وكان القاضي معجبا بشخصية طلال محبا له , وقد مدحه بقصيدة صاحبتها قصة مثيرة , مطلعها :
طلال لو قلبك حجر أو حديدي=أمداه من حامي وطيس الوغى ذاب!
وسبق أن نشرناها هنا , وهي موجودة مع القصة في ترجمة الشاعر في هذا الرابط :
محمد العبدالله القاضي .. (شاعر نجد الكبير)
ولذلك فُجع بوفاته و رثاه بهذه القصيدة العصماء :
أجَلْ عَنْك ما الدِّنيا إلى عاهِدَتْ تافي=تِزَخْرَف وهي لا بِدِّ يَبْقى لها قافي
مِنُونٍ بْنَوّ الخير عَجْلِه إلى ادْبَرَتْ=فِهِي مِثْلِ حِلْمَ اللّيل يِشْكِل على الغافي
يِدِير الفَلَكْ دُولابَها لَين تِنْتِهِي=سِرِيعٍ تِرِدِّدْها بْتَكْدِيرَها الصّافي
تِغْرِيك بِاقْبالَهْ وتِبْدِي لِكَ الرِّضَى=فِالى اشْمَأَزَّت جَتْ على حَدّ مِيهافي
تِسُوقَ المَنايا بَالقِضايا وتِتِّصِل=غَيُورٍ مُصايِبْها على ماضي الأسلافي
ولا شِفْت فيها خَيِّرٍ حَصَّل المُنى=كم فَرِّقَت مِنْ بين وِلْفٍ وميلافي
تِداوَل بَالايْدِي في سَعَدْها وغَدْرَها=تِقَلَّب دَهَرْها فِيها الَافْكار تِطّافي
على شِين جِيرَتْها كِثِيرٍ همُومَها=وَلا قَطِّ مِنْها واحِدٍ راح مِسْتافي
شاهدت منها ما مضى من عجايبه=يسعد بها جيلٍ وجيلٍ بها هافي
وَلا قَطّ مِنْها خَيِّرٍ نال مَطْلُبُه=وصَكّاتَها يِهْتَزّ مِنْها جِبَل قافي
أعْطَتْ طلال المُلْك لَين أَمْهَلَتْ لُهْ=تِزَخْرَف على وَجْهَهْ بْتَجْمِيع الأصنافي
يوم اسْتِتَمَّتْ لُهْ وجَتْ لُهْ على الهوى=َرَى مِنْ سِبَبَ كَفُّهْ على نَفْسُه إتْلافي
وتِمَلَّكْ بَها غيرُهْ وِهِي في حْبالُهْ=وِهِي مِنْهِ حُبْلى قارِبٍ شَهْرَها وافي
تَناهَى مِقامَ العِزّ مِنْها ولا بِقَى=مُلْكٍ عَظِيمٍ ما رُفا شَقُّه الرّافي
حُكْمٍ تَعَدّى الصِّين وَالهِنْد وَاليِمَنْ=وَنَجْدٍ تَعَدّى مِنْ وَراها لَلَارْيافي
حَنَّتْ عليه جْبالْ حايِلْ ومِنْ بَها=مْنَ الجارِ والجالِين وصْنُوفْ اَلَاضْيافي
عَمار الجِبَل سُورَ الجِبَل هَيبْةَ الجبل=حَمَى دُون ساكِنْها بْشَذرات الأسيافي
هَمِيمٍ على العِلْيا يْبادِرْ بْهِمِّتُهْ=سِرِيعٍ على المِفْزاعْ بَالضِّدّ زَهّافي
رِقَى راسْ عِلْيا ما حَدٍ نال راسَها=سامَ العِدَا والمال يَبْذِلْهْ لَلصَافي
بْحِلْمٍ وعِلْمْ وباس لَيثٍ ضَحَى الوغى=لُهْ سابِقٍ خَلْفَ المِتَلِّين مِنْ قافي
عَرْجا يِلُوذِ بْها جِبانٍ إلى جِذا=يِرِيد الفَرَج في تالي الخيل خَوّافي
جاه الدَّرَك في غالي الرُّوح بَالوَغَى=أَجارُهْ لَكِنُّه مِسْتِجِير بَالَاعْرافي
أخِي هِمِّةٍ عِلْيا ونَفْسٍ رِفِيعِةْ=بْزَغاتِير حِرٍّ فيه حارَنَّ الَأوْصافي
ألاوّاهْ أخو نُورِه بَالَاجْداثْ مِنْتِقِلْ=أخِي هِمِّةٍ يَذْرا على راسُهْ السافي
على عونِةَ الله كِلّ حَيٍّ إلى الفَنا=ولا باقِيٍ غيرُهْ حَسِيبٍ وهُو كافي
علينا العَزا يا بُوسْليمان والخَلَفْ=لى سِلْم أُبو تِرْكِي فلا عِزِّنا طافي
بِقَى ما بِقَى النَّجْم اليِماني على البِقا=هَيْبَةْ سِعُودٍ يامَنْ المُرغَد الغافي
شْهابٍ لِمِنْ يأْبَى مِنَ الخَلْق أو بَغَى=ومِنْ خالَفَ الشّوفِهْ عَمَل الإسْرافي
مِقامُهْ بْعونَ الله على الدِّين والهُدى=مُضَى كَمْ إمِيرٍ عاش في شِبْرُه الوَافي
حماها من إصْطَنْبُول لَلْهِنْد لَلْيِمَن=ومَصْرٍ وما حَدَّت وهاذيك الأسيافي
على البَصْرِةَ الفيحا على وادي الجِزَر=يِسِيد مِنْ ساداتَها تِرْك وَاصْنافي
وهو مِنْه تِهْتَزّ الحَجازين والعَجَم=يِجِيهُمْ تِزِلْزالٍ مْنَ الخوف رَجّافي
إلى شَهَر مَذْرُوب سِنْجار واعْتَلى=ولَجْلَج وحام بْلِجَّة الجَوّ واطّافي
وَاصْرَم على جِلَّ الجَوازي ونالها=عَدِيم الرِّجا في مِخْلِبُه سُوَّ الاتلافي
يِسُوسَهْ بْقالاتٍ طُوالٍ وتِتِّصل=على عُصْمَ الأَرْوي يِعْتِلي روس الأشرافي
يْلَوِّذْ بُه الجاني إلى داش زَلِّة=كما لاذ بَالَارْكان ساعي ومُطّافي
بَحْرٍ إلى مِنُّه طُمى طَشّ موجُهْ=وإلى سِكَنْ تَجْنِي جَنِى دُرُّه الصافي
حَلِيمٍ فِهِيمٍ لولِبَ الرَّاي والذِّكا=ظِرِيفٍ لْما تَلْوِي هَلَ الفَهْم عرّافي
تَعَقْرَ النِّسا ما خَلِّفَنْ في مِقامُه=وْلَا ذِكْرِ مِثْلُه في تُوارِيخ الأسلافي
يِعِيش بْظِلُّه من يِرَبِّي حلالُهْ=يامَنْ لْمِنْ جا ساحِتُه كِلّ مِن خافي
مُضَى ذا وفيها يالِبِيبٍ تِفَكَّر=على مِثْل عادٍ جا خَبَرْهُمْ بَالَاحْقافي
هذا وصلى الله على سَيِّد المَلا=عَدَدْ ما هَمَلْ وَبْلٍ على الخَدّ هَتّافي
وآلُهْ وصَحْبُه عِدِّ ما حَلّ أو حَدَث=أجَلْ عَنْك ما الدِّنيا إلى عاهِدَتْ تافي
رحم الله محمد العبدالله القاضي , وطلال العبدالله الرشيد , وجميع موتى المسلمين
[overline]:: شرح أبيات القصيدة ::[/overline]
(1) أجل عنك: تعبير اصطلاحي يفيد التعجب والتحسر والتأكيد على معنى ما يليه. قافي: سائق، يقال: تقفّاه أي لحقه وساقه حسب إرادته (فصيحة).
(2)منون: كثيرة المنّ. نوّ الخير: فأل الخير وفعله. الغافي: النائم. يقول: إن الدنيا قليلة الإقبال سريعة الإدبار، فهي أشبه ما تكون بالأحلام.
(3)يدير الفلك دولابها: دوران الفلك تعبير مستعمل عند العامة ويقصد به تغيّر الحال من شر إلى خير أو العكس. والفلك في الأصل: المدار، الذي تسبح فيه الأجرام السماوية. ولعل هذا التعبير من بقايا الجاهلية التي تربط حدوث النوازل وغيرها بتغير منازل الكواكب. دولابها: الدولاب العجلة.
(4)اقباله: إقبالها. اشمأزت: نفرت وكرهت (فصيحة). ميهافْ: الميهاف المكان المشرف العالي.
(5)تسوق المنايا بالقضايا وتتصل: يقصد أنها قاسية مصائبها متتابعة. غيور: كثيرة التغير. الأسلاف: الأجداد (فصيحة).
(6)ولف: إلف. ولف وميلاف: حبيب وحبيبه.
(7)تداول بالايدي: تنتقل من شخص إلى شخص. تِطّاف: تطوف وتجول، والمعنى أنها محيّرة.
(8)مستافي: مستوفيًا حقوقه منها.
(9)جيل: المقصود به هنا مجموعة من الناس، هافي: شَقِيّ.
(10)صكاتها: مصائبها وضرباتها. جبل قاف: جبل أسطوري لا وجود له، قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/221) : روي عن بعض السلف أنهم قالوا (ق) جبل محيط بجميع الأرض يقال له جبل قاف، وكان هذا والله أعلم من خرافات بني إسرائيل.
(11)لين: إلى أن.
(12)استتمت له: اكتملت له مباهِجُها. جرى من سبب كفه: إشارة إلى وفاته منتحرًا.
(13)تملك بها: عقد قِرانَهُ عليها. في حباله: أي على ذمته. يقول: إن الدنيا غدرت به وتخلت عنه وهو في أوج مجده.
(14)تناهى مقام العز: بلغ الغاية والنهاية في المجد. رفا: خاط (فصيحة) , ورفا شقه الرافي: كناية عن إصـلاح الحال.
(15)معنى البيت فيه مبالغة ينفيها الواقع، وربما كان المقصود: أن صيته وشهرته في حسن قيادته وزعامته قد وصلت هذه البلدان. الأرياف: القرى.
(16)الجالِين: اللاجئين.
(17)لجبل: جبل شمر وهو اسم يطلق على منطقة حائل. بشذرات : شذرة السيف: حده (فصيحة).
(18)هميم على العليا: سريع إليها. المفزاع: النجدة وإغاثة الملهوف. الضد: الخصم والعدو. زهّاف: موقع ومنكّل.
(19)رقى راس عليا: تبوأ المجد، واعتلى عرشه. سام العدا: أذلهم وأهانهم (فصيحة). للصافي: للمخلص من صديق أو قريب.
(20)سابق: فرس أصيلة. المتلين: المنهزمين. من قافي: خلفهم تطاردهم.
(21)عرجا: أصيلة كأنها تعرج في مشيتها. جذا: ضعفت فرسه فلم يستطع الهرب.
(22)جاه الدرك: أي أدركه الأعداء. الأعراف: حاجز بين الجنة والنار، وقيل سور، وأهل الأعراف قوم تساوت حسناتُهُم وسيِّئاتُهُم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلَّفت بهم حسناتهم عن النار فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم. والشاعر هنا يصور المستجيرين به بعد أن يُجِيرَهُمْ بأهل الأعراف الذين سَلِمُوا من النار ويطمعون في الجَنَّة.
(23) بزغاتير : الزغاتير كلمة غير معروفة , ويبدو أنها من ذوات المعاني المختلفة , ولعلها هنا بمعنى :غضبات . وورد الفعل (يزغتر) في بيت من قصيدة عبدالله العلي الرشيد الشهيرة (قل هيه يا اللي لي من الناس وِدّاد) , قال :
لا عاد ما مِرٍّ يزغتر بالأكباد=ترى الموصِّي يذهل اللي موصِّيه
وربما كان معنى يزغتر بالاكباد في هذا البيت: يِحْمي بالاكباد , واحتماء الكبد عند العامة يعني الغيظ الشديد . وجاءت (زغاتير) أيضا في قول ابن لعبون :
والذي ينقاد بزمام الأمل=لا تغبطه في زغاتير الهبال
وزغاتير الهبال ربما كانت بمعنى : نوباته وفنونه.
(24)ألاوّاه: كلمة توجع وتحسر. أخو نوره: عزوة آل الرشيد. الأجداث: جمع جدث وهو القبر (فصيحة). السافي: التراب تحمله الريح (فصيحة). ويذرا على راسه السافي كناية عن الوفاة.
(25)على عونة الله: جملة تقال في تذكر الماضي، ومُضِي الوقت على حادثة معينة وبخاصة إذا كانت متعلقة بموت شخص أو نحوه (كلمات قضت 2/860) .
(26)أبو سليمان: أخو الشاعر واسمه علي، وكثيرًا ما يشكو إليه في شعره ويخاطبه. أبو تركي: هو الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي بن عبدالله آل سعود , تولى الإمامة بعد وفاة أبيه الإمام فيصل بن تركي سنة 1282هـ .
(27)بقى ما بقى النجم اليماني على البقا: دعاء له بطول العمر , والنجم اليماني هو سهيل اليماني وهو نجم شهير له في حياة العرب بادية وحاضرة , قديما وحديثا , مكانة ومنزلة , وسهيل عند العامة موسم يدخل في الرابع والعشرين من أغسطس , ويتكون من أربعة طوالع , هي (الطرف والجبهة والزبرة والصرفة) , وتسمى (سهيل الصغرى) , أما الكبرى فهي كل أيام السنة . سعود: يقصد آل سعود. المرغد الغافي: الإنسان المسالم الذي يعيش في رغد من العيش.
(28)شهاب لمن يأبى: أي نكال لمن يخالف. بغى: ظلم (فصيحة). خالف الشوفة: خالف الرأي. عمل فيه الإسراف: نكّل به وأسرف في تعذيبه.
(29)شبره الوافي: كنفه وظله.
(30)الأسياف: جمع سِيف , وهي السواحل (فصيحة).
(31)وادي الجزر : واد بجلاجل إحدى مدن منطقة سدير . يسيد: يتأمّر. تِرْك واصناف: أتراك وغيرهم.
(32)الحجازين: بفتح الحاء المهملة، سكان الحجاز. العجم: غير العرب وأكثر ما تطلق على الفرس.
(33)شهر: طار وارتفع في السماء. مذروب: مدبب الرأس، صفة أصالة في الصقر. سنجار: جبل معروف. لجلج: أسرع في طيرانه حتى غاب في الجو. حام: دار وطاف (فصيحة). بلجة الجو: وسط السماء. اطاف: حَوّم وتهيأ للانقضاض. يمدح الإمام عبدالله بن فيصل ويشبه بالصقر الأصيل في الانقضاض على الأعداء.
(34)أصرم: انقضّ. الجوازي: حيوانات الصحراء التي لا تشرب الماء كالظباء والأرانب، ومفردها الجازي، سميت بذلك لأنها جزت أي اكتفت عن الماء بشم النسيم، ورطوبة ما تأكله من طعام. عديم الرجا: الذي يقطع رجاء النجاة على ضحاياه. سوّ الاتلاف: سوء الهلاك.
(35)يسوسه: يقودها ويحميها، والضمير يعود على بلاده ومملكته، وهذا مفهوم من السياق. قالات: حروب ومعارك. عصم الأروي: الخيل الأصيلة المدربة. والعصم في الأصل: الحبال المتينة، والأروي: جمع راوية، وحبال الروايا وهي القرب الكبيرة عادة ما تكون متينة عريضة، ولذلك كثيرًا ما يشبه بها الشعر المجدول، قال أحد الشعراء:
يستاهل اللي شوفها يفطر الصوم=اللي قرونه مثل عصم الأراوي
وقال شاعر بريدة الكبير المرحوم محمد العرفج (ت1258هـ).
محلا دلوله يوم يقبـل ينـودي=ومن اليدق ينفح بعصم الروايا
روس الأشراف: المراقب العليا.
(36)يلوِّذ: مبالغة في اللوذ، وهو الاحتماء والتحصُّن (فصيحة). الجاني: من ارتكب جناية أو قارف ذنبًا. داش زلة: اقترف غلطة أو حماقة. مُطّاف: طائف.
(37)طمى: فاض (فصيحة) . طشّ موجه: أغرق.
(38)لولب الراي: شجاع واسع الحيلة. تلوي: تُخْفي وتُلْغِز. هل الفهم: أهل الفهم.
(39)تعقر النسا ما خلفن في مقامه: تعجز النساء عن ولادة مثيل له , والعاقر في اللغة : المرأة العقيم التي لا تلد . الأسلاف: الأجداد (فصيحة). وفي البيت مبالغة غير مقبولة ، وهو يشبه قول شاعر الجبل خلف أبو زويد مادحًا سطام الشعلان، وهو البيت الذي أغضب عليه الأمير محمد العبدالله الرشيد:
سطام بن شعلان ما جا ولا جيب=مـن شرقي الدنيا لغربي مغيبـه
(40)من يربّي حلاله: كناية عن الرجل المسالم الذي يكون عادة عرضة لظلم الظالمين , واعتداء المعتدين. إلى جا ساحته: إذا جاء إلى حماه والتجأ إليه.
(41)مضى ذا: مات هذا , والإشارة تعود إلى طلال. وفيها: في الدنيا. جا خيرهم: جاء ذكرهم. بالاحقاف: في سورة الأحقاف.
(42)الخد: وجه الأرض. الوبل: المطر الغزير (فصيحة). هتاف: هتان، وهو المطر المتواصل الغزير.