اعتذر اضطر المراقب الفني إلى قطع النص إلى جزئين
ومع الوقت، وبعد أن تمكن من القراءة والكتابة، وجد في الرسائل القليلة التي تصل من والده في الهند، أنها تُشبع بعض ظمئه للمعرفة، كان يشتاق إلى قراءة أي شيء، فقد كان يأخذ رسائل أبيه المخبأة في صندوق والدته الحديدي في غرفة نومها، ويقرأ الرسائل بشغف وحنين، بل كان يعود إليها بعد كل فترة ويقرأها مرات ومرات بدون أي ملل.
بجانب شوق القراءة والدخول في عالم المعرفة الجديدة على عقله، كانت الرسائل من والده تعطيه الطمأنينة التي كان في أشد الحاجة إليها. وكانت سطور الرسائل القليلة تزوده بالفخر والاعتزاز بأبيه، التاجر العريق الذي يواصل رحلة الآباء والأجداد رغم كل المشاق والعناء.
وفي غمرة انشغالات (سليمان) بعالم القراءة والكتابة العجيب، وقعت عيناه ذات يوم في بيوت أحد أقرباء والدته، على جريدة مصرية هي «الأهرام»، بالصدفة المحضة.
مكة والأهرام وموت الأم
* كانت «الأهرام» هي الجريدة والمطبوعة الأولى التي يشاهدها في حياته، وبعد حيل كثيرة ـ استخدمها ـ استطاع أن يستلف الجريدة ويأخذها إلى بيته، وسببت الجريدة للصبي أياما طويلة من السهاد، وأياما أخرى من السهر على الضوء الشاحب لـ«التريك» وهو (مصباح يعمل بالزيت) شائع استخدامه في عنيزة، يطالع الأخبار الكثيرة فيها، ويقرأ المقالات بصعوبة وكأنها لغة أخرى لا يفهمها، ورغم كل تلك الصعوبات، إلا أنها كانت (الجريدة)، اكتشافا جميلا لازمته في ما بعد طوال حياته.
لقد سرقت تلك الجريدة الكثير من المتع الصغيرة ومن التجول في سوق عنيزة واللعب مع الصبيان.
لكنها أسابيع فقط حتى ترافقت ببشارة أخرى، فقد أيقظته والدته في أحد الصباحات الباردة وقالت له وهي تلهث من الفرح: لقد جاء أبوك إلى مكة، ويريدنا أن نلتحق به في أسرع وقت، هيا يا بني خذ كل حاجياتك وأغراضك، فقد لا نعود إلى عنيزة. قفز (سليمان) من فراشه في الحال، شعر أن أمنيته برؤية أبيه مرة أخرى قد تحققت، نسي كل شيء، كان الفرح طاغيا إلى درجة أن صورة أبيه لم تفارق ذهنه طوال أيام الاستعداد للرحيل عن عنيزة.
في فجر أحد ايام عام 1904، وصلت القافلة التي كانت بها الزوجة (حصة) وابنها (سليمان)، إلى أطراف مكة بعد رحلة شاقة ومضنية من عنيزة.
وفي ذلك التوقف الإجباري كانت الأخبار والشائعات تتوارد إلى القوافل المتجهة إلى مكة بأن مكة ينتشر فيها وباء يفتك بالمسلمين، ولا يفرق بين رجل وامرأة وطفل.
كانت علامات الرعب ترتسم على وجوه كل ركاب القوافل ومنهم (حصة) والابن الصغير (سليمان)، والذي بالكاد استطاع أن يفهم ماذا يدور حوله. انقسمت القوافل القريبة من مكة إلى نصفين تقريبا، نصف أراد أن يغامر بروحه ويدخل مكة، وبكل الرعب الذي يعيشه، ونصف آخر راح يعيش في هلع ظل مسيطرا على كل حواسه، بينما يرى المدينة المقدسة من بعيد ولا يعرف ماذا يفعل أو ماذا يقرر؟.
ومع هؤلاء كانت هناك قوافل قليلة جدا اختارت العودة إلى مدنها أو قراها لتنجو من الموت المحقق والوباء القاتل.
كانت قافلة البسام الآتية من عنيزة قد قررت بأمر الزوجة أن تتوقف للتريث، فربما تسمع بعد أيام عن أخبار طيبة، لكن تلك الأخبار الطيبة لم تأت، بل طال انتظارها، بعد أيام كان المصلون فجرا في القافلة قد استخاروا ربهم وقرروا دخول مكة مهما كان الثمن، وسألوا حصة، التي يبدو أنها قد أخذت قرارها النهائي قبلهم، فردت عليهم بصوت واضح وواثق: «المدينة التي فيها أبو سليمان أنا داخلتها»، ومضت القافلة تردد في صمت القول الكريم «ادخلوها بسلام آمنين».
وفعلا دخلت القافلة إلى مكة وسُعد (سليمان) بلقاء أبيه بعد طول غياب في الهند.
غير أن سعادة الفرح باللقاء لم يكتب لها أن تستمر سوى أيام قلائل، فقد هجم الوباء على (حصة) وتوفيت في الحال.
انقلبت فرحة (سليمان) لحظتها بلقاء أبيه الغائب إلى حزن شديد على والدته التي راح يبكيها طوال الوقت.
بكى (سليمان) والدته بحرقة، أحس أن دموعه تنهمر كأنه ذلك الطفل الصغير في أزقة عنيزة، كان بكاؤه حارا على حضن دافئ وقلب طيب لم يمهله القدر أن يعيش معه أكثر من ذلك.
بعد فترة كانت الدموع تختلط أحيانا بلوعة فراق الأم، والشوق للمدينة (عنيزة) وبكارثة الوباء اللعين.
رغم استمرار الحزن على غياب الأم وزوال خطر الوباء عن مكة المكرمة، إلا أن الشاب (سليمان) راح يجد في مكة روعة المدينة وقدسية المكان والأسواق المزدهرة وبعض الجرائد التي راح يزداد تولعا وشغفا بها.
كانت مكة وقتها مدينة الحج المقدسة الطاهرة التي يحج إليها آلاف المسلمين من كل مكان في العالم كل عام.
بين هذه الأجناس والأشكال والبشر، وبين الثقافات والعادات والتقاليد واللغات واللهجات المتعددة، والملابس المختلفة، وغيرها، كان (سليمان) يطالع كل هذا العالم المدهش المختلف في كل شيء والمتفق على شيء واحد وهو الإسلام والحج كفريضة، كان يطالع كل هذا التنوع العجيب وكأنه يتدرب على الخطوة الأولى نحو الهجرة، وهو لا يدري! كانت الأيام والشهور التي قضاها في مكة مع والده (حمد) رغم أحزانها، إلا أنها كانت أشبه بمدرسة في مهارة التجارة.
فمع ابنه (سليمان) فخره الوحيد الباقي له الآن في الدنيا راح يمضي معه كل الأوقات وكل سهرات الليل، وتمضي معظمها في سرد حكايات الهند والتجارة هناك، وفي الصباح كان الأب يعطي ابنه بعض أسرار تلك التجارة ومتطلباتها، مهاراتها، شرورها وخيرها، وكل شيء..
كان «سليمان» يصغي له بانتباه واضح. فوالده يقولها في شكل تجارب وحكايات. وكان الوقت يمضي بسرعة وهو يتعلم دون أن يشعر بالملل أو بأن هناك نصائح قد أرهقته.
ثم توالت تلك الجلسات وراح الابن يسأل، والأب يجيب. والحكايات والدروس تتوالى حتى عن الهند نفسها ومدينة كلكتا بالذات.
وفي أحد أيام صيف 1905م فوجئ (سليمان) العائد من أحد أسواق مكة ظهرا بوالده يطبطب على كتفه ويقول له: هل أنت مستعد؟
فرد بسرعة واستغراب: على ماذا؟ قال الأب: الى العمل في التجارة طبعا.
لم يفكر (سليمان) لحظة واحدة، فقال في الحال: أكيد.. أكيد.. ولكن في مكة أو عنيزة.
رد والده: لا.. في البحرين هذه المرة.
كان (سليمان) قد سمع بالبحرين، ولكنه لا يكاد يعرف عنها شيئا. لذلك طال تفكيره وسرح ذهنه هذه المرة حتى رد: ولكن لماذا البحرين وليس الهند كما فعلت أنت؟
فهم (حمد) السؤال الذكي على الفور ورد قائلا: البحرين الآن تزدهر تجاريا ومرشحة لأن تصبح مثل الهند في الخليج. هناك مستقبل تجاري واعد فيها. لقد اخترتك للعمل بها من موقع خبرتي كتاجر في الهند، ولا تنس أن الكثير من النجديين أصبحوا يعملون ويعيشون هناك، بل عندنا أقارب أيضا سأرسل لك معهم رسائل. فلا تقلق. وبعد فترة صمت أكمل حديثه قائلا: البحرين.. لا داعي للقلق، ستصبح فيها تاجرا مرموقا. وهذه المرة سمع (سليمان) الكلام بابتسامة راضية.
إنها البحرين
* ويصف المؤلف كيف بدأت رحلة سليمان الطويلة الى جزر البحرين بقافلة جمال أوصلتهم من مكة الى جدة بقوله: كان المرور على الهند ضروريا في تلك الفترة. وهو يبدو أنه جزء من نظام فرضه الانجليز، كي لا تبحر السفن الى الخليج العربي مباشرة، أو ربما لدواع تجارية أيضا. فالهند كانت المصدر الرئيسي للغذاء والملابس وغيرها الى بلدان الخليج، ولذلك فإن كل المراكب التجارية كانت تستفيد كثيرا من تحميل البضائع الضخمة الى المنطقة.
انطلقت الباخرة بصفيرها المدوي في ميناء جدة ومعها العشرات من المسافرين الى اليمن والهند والخليج. كانت الرحلة طويلة ومملة، فالرياح لا تكاد تغادر البحر، بينما الأمواج العاتية لا تبعث سوى على القلق وحساب الساعات والأيام للوصول الى بومبي.
استيقظ (سليمان) في أحد أيام شهر اكتوبر 1905م على صفير الباخرة المزعج، وعندما ركب الى السطح كان يغص بالمسافرين الذين يشيرون بأصابعهم الى بيوت وشوارع بومبي التي راحت تقترب من عيونهم أكثر وأكثر. ولم يمض وقت قليل حتى وصلت الباخرة الى ميناء بومبي.
في الميناء كان ينتظر (سليمان) حسب توصيات أبيه (أحمد) بعض أصدقائه من عائلة الفضل النجدية التجارية والمقيمة في بومبي.
كانت الحفاوة بـ(سليمان) كبيرة فهو ابن (حمد) التاجر المرموق والمشهور بالأمانة. وأقام الشاب عندهم بضعة أيام، وهناك تعرف على هذه المدينة الهندية التجارية العريقة التي طالما سمع عنها من والده. وفي بومبي تعرف رغم قلة ايام اقامته فيها، على عشرات التجار النجديين والكويتيين الذين اقاموا له بعض الولائم احتفاء به.
انتهت ايام الهند بسرعة، وكان عليه الالتحاق بالسفينة التجارية التي ستذهب الى البحرين مباشرة.
وبالفعل كانت حقيبة (سليمان) الصغيرة التي جاء بها من مكة قد امتلأت بالرسائل، وصرة ذهب اعطاها اياه أحد تجار البحرين وأوصاه باعطائها الى التاجرين علي وأحمد بشمي في المنامة، علاوة على بضائع حملت في السفينة باسمه.
لم يكن التوديع بأقل من الحفاوة من عائلة الفضل، فبقدر ما كانوا سعداء بوصوله حزنوا جدا لرحيل هذا الشاب.
غادرت السفينة ميناء بومبي ومعها راح (سليمان) يراقب ساعته الثمينة التي اشتراها لتوه من بومبي.
هذه المرة كانت السفينة تمضي بسرعة عكس باخرة جدة لأسباب غير مفهومة، وكان الطريق أقصر والمسافرون أقل، لكن البضائع لا تعد ولا تحصى.
كان (سليمان) يجلس على أحد مقاعد السفينة مرتاحا لمنظر بحر الخليج الذي دخلته السفينة لتوها، وكان المريح ان البحرين مكان مناسب وجميل، كما أخبره كل تجار نجد في الهند. ومريح للعمل التجاري، بل ان التاجر يكفيه رأسمال بسيط لبداية العمل، فما بالك بواحد مثله حصل من والده على رأسمال ممتاز يجعله في غاية الاطمئنان.
وبجانب التجارة كان ذهن (سليمان)، وهو يطالع البحر، يشرد الى مكة حيث أبوه الذي ينتظر منه الأخبار الجيدة.
وكانت أكثر الأخبار المفرحة التي سمعها وهو في بومبي ان وباء الطاعون الذي انتشر في المنامة والمحرق في بداية شهر مايو قد تم القضاء عليه نهائيا في نهاية شهر يونيو، وهذا يعني انه لا وباء حاليا في البحرين، وان كل شيء على ما يرام.
حتى الوصول الى شاطئ المنامة كان ايضا يسيرا. فقد كان في استقباله هناك صديق والده الحميم التاجر النجدي (منصور الخنيني) الذي سكن في بيته لبضعة أيام، ثم استأجر بيتا من عائلة القصيبي في وسط المنامة قرب (المطبعة الشرقية) حاليا. وبعد يوم واحد أوصل أمانة الى التاجر البحريني، وكانت عبارة عن بعض المجوهرات الثمينة.
كانت البحرين في بداية شهر نوفمبر 1905م جزرا هادئة يسكنها قليلون، وتتداخل فيها جاليات كثيرة، وطوائف متعددة، وقد تعرف الشاب على أحوال البلاد بنفسه، حيث استفاد كثيرا من معلومات وحكايات النجديين الذين قابلهم في الهند، والذين ظلوا في البحرين لبعض الوقت، وكانت أولى زياراته لشيخ التجار أو (فخر التجار) كما كان يلقب آنذاك وهو المثقف النجدي الشهير (مقبل عبد الرحمن الذكير) تاجر اللؤلؤ العريق.
كان (الذكير) وقتها قد أقام في البحرين سنوات طويلة منذ نهاية القرن التاسع عشر، وبالتالي عرف ناسها وحكامها وشيوخها وتجارها وتعامل معهم جميعا. وطارت شهرته بسبب أمانته وسعة ثقافته وذكائه التجاري.
ومع الوقت تعرف (سليمان) عن طريق (الذكير) على الكثير من شخصيات البحرين وتجارها. وراح يقرأ بنهم الكثير من الصحف والمجلات المصرية والشامية التي كان يحضرها (الذكير) عن طريق الهند. كان (سليمان) يقرأ في مجلس الذكير بالمنامة كلا من (المقتطف) و(المقطم) و(الاهرام) و(الهلال) و(المنار) وغيرها، وبانتظام حسب وصولها. وفي الجهة الأخرى راح مع شريكه التجاري (منصور الخنيني) يبدأ أولى خطوات العمل التجاري.
بخور وعود وحرير
* ففي البداية استأجرا دكانا صغيرا في سوق المنامة وراحا يبيعان البخور والعود والحرير التي أخذا يستوردانها من الهند مباشرة، ولم تمض شهور قليلة حتى وجد ان دكانه الصغير في السوق قد بدأ يعطي ثمار النجاح، وان العمل يتوسع ويكبر وتزداد الحاجة إلى استيراد بضائع أخرى، ومع ذلك كانت النصائح والخبرة من أبيه تقول له: لا تستعجل في البداية.
وفعلا ترك البداية تنمو وتزدهر بدون استعجال او لهاث وراء أرباح قد تأتي أو لا تأتي. وفي الصورة الأخرى للبحرين كان (سليمان) يكتشف أوضاع الجالية النجدية. للوهلة الأولى كان هناك الكثيرون من النجديين الفقراء والكادحين الذين كانوا يعملون في مهن بسيطة، بالكاد كانت تكفي لقمة عيشهم اليومية، فقد كان هناك العشرات من النجديين الذين يعملون كحمالين في ميناء المنامة وبحارة في بعض السفن، وخياطين وفراشين وخدم، وكتبة عند التجار، وكل الأعمال الصغيرة.
أما القلة منهم فكانوا يزاولون التجارة. وكانت أشهر العائلات النجدية التجارية في البحرين هي: البسام، الزامل، الذكير، القاضي، الروق، العجاجي، القصيبي، السحيمي، الشبل، السليم، التميمي وغيرها. وكان شيخ الجالية في تلك السنوات هو (فخر التجار) بلا منازع (مقبل الذكير).
ورغم التبرعات والاقامة المجانية التي كان يوفرها كبار التجار النجديين في البحرين لمئات النجديين الكادحين في المنامة والمحرق، إلا انها لم تكن بالكافية بسبب الاعداد الهائلة منهم. وكان الكثير من شباب نجد في البحرين قد اضطرتهم ظروف الرزق وضنك العيش الى العمل في تحميل البضائع والخدمة في بعض البيوت، وكان طموح هؤلاء الفقراء من النجديين هو توفير مبلغ متواضع من المال لاطعام عائلاتهم في (عنيزة) أشهر مدن نجد آنذاك والتي قدم منها كثير من النجديين إلى البحرين.
وفي أوساط هؤلاء الفقراء سار مثل شهير يقول (بيزه على بيزه توديك عنيزه)! وكان معنى المثل واضحا حيث ان (البيزه) وهي أصغر وحدة من العملة الهندية التي كانت متداولة في البحرين آنذاك يمكن ان تتجمع مع الوقت، لكي يعودوا الى أحضان أهلهم بعد غربة الرزق، ويتمكنوا من ابعاد شبح الجوع والفقر ولو لفترة مؤقتة! لقد كان كدح النجديين وشقاؤهم في البحرين الذي كان يراه (سليمان) أمامه كل يوم في الأسواق والميناء، دافعا قويا له لتطوير قدراته واستنهاض قوته وزيادة ثقافته وتوسيع معارفه. وقد مضت خمس سنوات من إقامته في البحرين واشتغاله بالتجارة وكأنها أيام قليلة، وكأنها ليست أياما وشهورا في روزنامة الغربة والتجارة وقلق الفشل والعودة. تعلم (سليمان) في تلك السنوات الكثير من فنون ومهارات التجارة، وزادت معارفه وعلاقاته أضعافا، وتوسعت ثقافته، فلم يعد مجرد شاب صغير، بل غدا بسبب حماسه وذكائه تاجرا وشخصية مرموقة في البلاد. وعند نهاية عام 1910م، استدعى الأب (حمد) ابنه من البحرين وكانت الرسالة تقول بوضوح: «أطلبك للحضور إلى مكة لأمر هام، أرجو أن لا تتأخر»! وما كان منه إلا أن يذهب (سليمان) إلى مكة دون تأخير.
واتضح له أن والده يريد تزويجه وكانت تلك مفاجأة بحد ذاتها، بل أن المفاجأة الثانية أن أباه نفسه قرر الزواج أيضا، والأطرف في ذلك أن الأب والابن تزوجوا شقيقتين الكبرى للأب والصغرى للابن وبعد وفاة الأب عادت الاسرة إلى عنيزة ثم ذهب سليمان الى البحرين وكتب ورقة اكد فيها وفاءه لزوجته وتعهده بعدم الزواج عليها وكان هذا الامر لافتاً في ذلك الوقت. عراقة التجارة
* لقد كانت كلمة (التجارة) من أكثر الكلمات التي كان أهل وبيوت البسام يتداولونها في (عنيزة). (التجارة) هي مهنة العائلة العريقة منذ زمن بعيد، ونوع من الرزق الشريف تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل، دون تعب أو شكوى، بل تسليم لراية بابتكار جديد وبمهارات وأشكال جديدة.
منذ ان جاء (سليمان) الى الدنيا، والعائلة كلها تعرف انه سيواصل طريق ابيه وجده، واذا لم يشتغل بالتجارة في الهند، فإنه سيفتح دكانا في الشام، وان لم يفعل فربما في المدينة او مكة، واذا لم يفعل ايضا فربما يقيم شركة صغيرة في البحرين.
كانت معالم المستقبل تبدو أشبه بالواضحة، فلا (تمردات) في العائلة عن هذا الطريق، وان حدث فهي نادرة. و(سليمان) أصلا هو سليل هذه العائلة التي امتدت جذورها في اكثر انواع التجارة التي عرفتها الجزيرة العربية منذ القرن الثالث عشر وحتى القرن العشرين بلا كلل أو تعب.
هكذا راح سليمان ينشط في التجارة بالبحرين فقد كان يعرف يقينا انها لقمة عيشه ورزق أولاده وسيرة آبائه وأجداده، وهي ايضا شخصيته المعتبرة ووجاهته، بيته العامر، ودكانه الزاهر، ومجلسه الكريم.
انها باختصار حياته كلها او على الاقل جزء كبير جدا وجميل منها.
كانت صفات التاجر الأمين هي الأهم، فكلمات والده تلاحقه في كل صفة ومعاملة بيع وشراء (سمعتك وأمانتك أهم من أرباحك) لا تنس، وهو بالفعل لا ينسى، بل يتذكر دائما نصائح والده وارشاده التجار النجديين الذين سبقوه. (حتى ولو خسرت ولو فلست لا سمح الله.. فلن يبقى عندك غير سمعتك.. اسمك الذي قد يزن ذهبا.. لا ذهب ولا أكياس نقود سوف تنقذك أمام انهيار سمعتك وفقدان مصداقيتك).
ونصائح أخرى مثل: (خسارة التجارة الحقيقية هي خسارة السمعة. خسارة الخير الذي تفعله، وفقدان الكرم الذي تقدمه للمحتاجين والفقراء).
كان (سليمان) يستمع إلى أحاديث والده المرحوم ويتذكرها ويصغي جيدا لحكاياته التي كان معظمها يدور حول أمانة التجار وصدقهم. احدى الحكايات رواها تاجر نجدي صغير تعامل مع تاجر هندي في بومبي واستطاع هذا الأخير ان يغشه في بضاعته. كان المبلغ ضخما والخسارة كبيرة، فماذا يفعل؟ لم يستطع إثبات شيء على التاجر الهندي، فخسر كل شيء وأفلس.
في اليوم التالي جاء الكثير من تجار نجد اليه وقالوا له: لقد أفلست تجاريا.. ولكننا نعرفك.. أنت لم تفلس كتاجر أمين.. خذ هذا المبلغ الذي جمعناه لك وابدأ من جديد! لم يصدق هذا التاجر الصغير ما يسمعه وما يراه، واستحى الرجل ان يأخذ المبلغ، ولكنهم اجبروه، كان الموقف رائعا، وعاد التاجر وتعلم الدرس، ولم ينس هذا الوفاء الجميل.
ادرك (سليمان) منذ البداية. منذ بدايته المبكرة في البحرين ان النشاط التجاري ليس مجرد توفير رأس مال جيد يكفي، بل هو عالم كبير به الفنون المختلفة، والذكاء المتعدد، والمهارات التي لا تحصى، وشروط التاجر الناجح من صدق ونظافة وشرف وأمانة وصبر وأخذ وعطاء وغيرها، ليصبح أحد أشهر التجار في البحرين وأكثرهم حضورا اجتماعيا وتجاريا.